لَمَّا الدُّنْيَا بِتِتْقَل عَلَيَّا… بَكْتُب
كتب / معالى اللواء سامي محمود دنيا
لَمَّا الدُّنْيَا بِتِتْقَل عَلَيَّا…
مَا بَدَوَّرش على حد يسمعني،
ولا بجرى ورا الكلام الكتير علشان أشرح وجعي…
بَكْتُب.
بَكْتُب كلمات،
وأنسى همومي بين حروفها،
وأسيب للورق كل حاجة معرفتش أقولها بصوت عالي.
فالكتابة بالنسبة لي مش مجرد حروف بتتجمع جنب بعض،
ولا كلمات بتتكتب علشان تتقري،
الكتابة أحيانًا بتكون نجاة…
بتكون حضن هادي للروح لما تتعب،
ومكان آمن أستخبّى فيه من وجع الدنيا.
فيه وجع ما ينفعش يتحكي… لكن ينفع يتكتب.
وفيه دموع مش بتنزل من العين… بتنزل على هيئة كلمات.
وفيه مشاعر بنعجز نقولها للناس، فنقولها للورق.
الكتابة لا تسألني: مالك؟
ولا تقول لي: إنت مكبّر الموضوع ليه؟
ولا تطلب مني أكون قوي وأنا من جوايا تعبان.
هي فقط تستقبلني كما أنا…
بضعفي، بحزني، بصمتي، وبكل الأشياء اللي بخبيها عن الآخرين.
أحيانًا بنكتب علشان نفتكر إننا لسه قادرين نحس؛
لأن أقسى ما في الحياة مش إنك تتوجع،
لكن إنك توصل لمرحلة ما تبقاش حاسس بأي حاجة.
أما الكلمة…
فهي دليل إن القلب لسه حي،
وإن جواك مساحة ما ماتتش رغم كل اللي عديت بيه.
أنا مش بكتب لأن حياتي خالية من الهموم…
أنا بكتب علشان أحط همومي في مكان، ولو مؤقتًا، بعيد عن قلبي.
أضعها بين السطور،
وأقفل عليها الصفحة،
ثم أرجع لحياتي وكأني شلت عن قلبي جزء من الحمل.
وهنا اكتشفت إن الإنسان مش محتاج دايمًا حد يحل مشاكله؛
أحيانًا محتاج بس مساحة يقدر يكون فيها على حقيقته،
من غير خوف،
من غير حساب،
ومن غير ما يضطر يلبس قناع القوة.
والكلمات كانت دائمًا المساحة دي بالنسبة لي.
هي الصديقة اللي ما بتتعبش من سماعي،
والرفيقة اللي ما تملّش من تكرار حكايتي،
والنافذة اللي بفتحها لما تضيق بيا الجدران.
أكتب عن الناس… فأكتشف إني بكتب عن نفسي.
أكتب عن الحياة… فأكتشف إني براجع حياتي.
أكتب عن الحزن… فأشعر إني أخف حزنًا.
وأكتب عن الأمل… فأكتشف إن جوايا لسه شيء بيؤمن إن بكرة ممكن يكون أجمل.
لذلك…
ما تسألوش الكاتب ليه بيكتب كتير.
يمكن هو ما يملكش رفاهية الصمت.
يمكن كلماته هي الطريقة الوحيدة اللي بيعرف بيها يقول:
أنا بخير…
حتى لو ما كانش بخير تمامًا.
وربما كل اللي بيكتبه مش بحثًا عن إعجاب الناس،
لكن محاولة بسيطة لإنقاذ نفسه من شيء مش عارف يوصفه.
فالكلمات مش دايمًا للنشر…
بعض الكلمات بتتكتب علشان تنقذ صاحبها وبس.
تتكتب في لحظة اختناق،
وتتساب على الورق،
وبعد فترة نرجع لها ونبتسم…
مش لأن الوجع كان بسيط،
لكن لأننا اكتشفنا إننا نجينا منه.
وهكذا أصبحت الكتابة بالنسبة لي أكثر من مجرد هواية…
إنها ملجأ.
كلما أثقلتني الدنيا، دخلت بين حروفها.
كلما ضاقت بي الأيام، فتحت لي الكلمات نافذة.
كلما عجز الكلام، تكلم القلم.
وكلما ازدحم داخلي بالوجع، رتبت مشاعري في سطور.
فيا لها من نعمة أن تجد شيئًا تستطيع أن تختبئ فيه دون أن تهرب من الحياة…
شيئًا يأخذ منك الوجع،
ويعيد إليك بعض السلام.
لذلك، عندما تسألني الدنيا:
أين تذهب حين تتعب؟
هقول لها ببساطة:
أذهب إلى كلماتي…
هناك حيث لا أحد يحاسبني على حزني،
ولا يسألني لماذا تغيرت،
ولا يطلب مني أن أبدو أقوى مما أنا عليه.
هناك…
أجلس مع نفسي،
وأكتب،
وأترك قلبي يتنفس.
ثم أغلق الصفحة،
وأرفع رأسي من جديد…
وأكمل الطريق.
فربما لا نستطيع أن نغير كل ما يؤلمنا،
لكننا نستطيع أحيانًا أن نمنح الألم معنى،
وأن نحول الوجع إلى كلمات،
والكلمات إلى أثر،
والأثر إلى شيء جميل يبقى بعد أن يهدأ كل شيء.
لَمَّا الدُّنْيَا بِتِتْقَل عَلَيَّا… بَكْتُب.
وأنسى همومي بين حروفها.
فالكلمات مش بس صاحبتي…
دي المكان اللي باستخبّى فيه من وجع الدنيا.
فبعضنا لا يكتب لأنه يحب الكتابة…
بل لأنه يجد فيها الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها أن ينجو.
خالص تحياتي لكم جميعًا
وصلّوا على الحبيب المصطفى
بحبكم في الله….

تعليقات
إرسال تعليق