ركضنا خلف الراحة… فوجدنا التعب

كتب /معالى اللواء سامى محمود دنيا

كان الإنسان قديمًا يحلم بأن يمتلك ما يريحه، وأن يختصر المسافات، ويخفف عن نفسه مشقة الحياة. ثم جاءت الدنيا بما لم يكن يحلم به من سيارات فاخرة، وبيوت واسعة، وهواتف ذكية، ووسائل اتصال جعلت العالم كله بين يديه…

لكن المفارقة العجيبة أننا كلما امتلكنا أكثر، شعرنا أحيانًا أننا نرتاح أقل.

ركضنا خلف الراحة… فوجدنا التعب.

أردنا سيارة أحدث، فحصلنا على أقساط أطول، ومسؤوليات أكثر، وقلقٍ لا ينتهي.

وأردنا بيتًا أكبر، فإذا بالغرف تزداد، بينما تقل الجلسات، وتتباعد القلوب، ويصبح كل فرد مشغولًا بعالمه الخاص.

وأردنا هاتفًا أذكى، فأصبحنا قريبين من أناس في أقصى الأرض، وبعيدين عن أقرب الناس إلينا.

أصبحنا نركض من العمل إلى الزحام، ومن الزحام إلى الفواتير، ومن الفواتير إلى العمل مرة أخرى… حتى نسينا أن الحياة ليست مجرد سباقٍ للوصول، وإنما هي لحظات ينبغي أن نعيشها قبل أن تمر.

لدينا أسرّة فاخرة… لكن النوم قليل.

وبيوت جميلة… لكن السكينة غائبة.

وآلاف الأصدقاء والمتابعين على الشاشات… لكن عندما تضيق بنا الدنيا، لا يبقى حولنا إلا أصحاب القلوب الصادقة والأوفياء.

كبرت المنازل… وصغرت المجالس.

وتطورت وسائل التواصل… وضعفت صلة الأرحام.

ازداد الاستهلاك… وقلّ الرضا.

صار الإنسان يملك أشياء كثيرة، لكنه لا يجد الوقت ليستمتع بها، ويجمع المال سنوات طويلة، ثم يكتشف أن أجمل ما كان يملكه لم يكن مالًا أصلًا… بل صحته، وأسرته، ووقته، وطمأنينة قلبه.

وما أقسى أن يبيع الإنسان صحته ليجمع المال، ثم ينفق المال كله ليستعيد صحته!

وما أشد وجعًا أن ينشغل الأب عن أبنائه بحجة أنه يبني لهم المستقبل، ثم يأتي المستقبل وقد كبر الأبناء، ولم تعد الأيام التي فاتت قابلة للاسترداد.

فالأبناء لا يحتاجون فقط إلى بيتٍ واسع، ولا إلى ملابس فاخرة، ولا إلى أحدث الأجهزة…

إنهم يحتاجون إلى أبٍ يسمعهم، وأمٍ تحتضنهم، وأسرة تجتمع حول مائدة، وقلوب تشعر ببعضها.

الحياة ليست في كثرة ما نملك، وإنما في قيمة ما نعيشه.

قد تكون لديك سيارة قديمة، لكنك تصل بها إلى بيتٍ ينتظرك فيه من يحبك… فتكون أسعد من صاحب أفخم السيارات.

وقد يكون بيتك صغيرًا، لكنه مليء بالضحكات والرحمة والرضا… فيكون أوسع من قصور كثيرة.

وقد لا تملك أحدث هاتف، لكنك تستطيع أن ترفع عينيك عن الشاشة، وتنظر في عيون من تحب، وتقول لهم: أنا هنا من أجلكم.

الحقيقة التي ينبغي ألا ننساها:

ليست الراحة في سيارة أفخم، ولا منزل أكبر، ولا هاتف أحدث.

الراحة الحقيقية هي طمأنينة القلب، وبركة الوقت، واجتماع الأسرة، ورضا النفس، والقرب من الله.

فاجلس مع أهلك قبل أن تصبح جلساتهم ذكرى.

صل رحمك قبل أن يأتي يوم تبحث فيه عن أحدهم فلا تجده.

أغلق هاتفك أحيانًا، وافتح قلبك لمن حولك.

توقف قليلًا عن الركض، وانظر إلى ما بين يديك، واشكر الله عليه.

فلسنا مطالبين بأن نملك كل شيء…

وإنما أن لا يفوتنا أجمل ما في الحياة ونحن نلهث خلفها.

قد يمر العمر ونحن نؤجل السعادة إلى الغد، ثم نكتشف أن أجمل أيامنا كانت تلك التي لم نلتفت إليها ونحن نركض.

فخفف سرعتك قليلًا…

احتضن أبناءك.

اجلس بجوار والديك إن كانا بين يديك.

اسأل عن قريبٍ غاب.

سامح من تحب.

اشكر الله على النعمة قبل أن تبحث عن نعمة أخرى.

وتذكر دائمًا أن الدنيا مهما أعطتك، فلن تمنحك راحة القلب إن كان قلبك بعيدًا عن خالقه.

اللهم بارك لنا في أعمارنا، وأهلينا، وأرزاقنا، وأوقاتنا، وبيوتنا، واجعل فيها السكينة والبركة والمودة.

اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، وردّنا إليك ردًا جميلًا، وعلّمنا أن نرضى بما قسمت، وأن نشكر على ما أعطيت، وأن نرى نعمك قبل أن نعدّ ما ينقصنا.

اللهم اجمع لنا بين نعمة الدنيا وطمأنينة القلب، وبين صلاح الأهل وبركة العمر، وحسن الخاتمة.

آمين… آمين يا رب العالمين.

وصلّوا

 على الحبيب المصطفى

بحبكم في الله…


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني