ليس دارَ راحة
كتب /حسن نوفل
في هذه الحياة ابتلاءاتٌ كثيرة، بعضها يأتي إلينا على هيئة أحداثٍ لم نكن مستعدين لها، وبعضها يأتي في صورة أشخاصٍ نحبهم ثم نخشى فقدانهم، وبعضها يكون مرضًا، أو فراقًا، أو حلمًا تأخر، أو أمنيةً طال انتظارها.
لكن الابتلاءات لا تأتي إلينا دفعةً واحدة، وإنما تأتي على هيئة محطات؛ تنتهي محطة، فنظن أننا قد وصلنا إلى الراحة، ثم تبدأ محطة أخرى تحمل اختبارًا جديدًا، وكأن الحياة تقول لنا في كل مرة: لم تصل بعد... فما زال الطريق ممتدًّا.
نعم، تأتي الراحة إلى الإنسان، ويمنحه الله سبحانه وتعالى لحظاتٍ من السكينة والفرح، ويُنسيه شيئًا من أثقال الطريق، لكن الراحة في هذه الدنيا ليست دائمة؛ لأن هذه الحياة لم تُخلق لتكون دارَ راحة، وإنما جُعلت دارَ ابتلاءٍ واختبار.
فكم من إنسانٍ ابتُلي بفراق أمٍّ كانت بالنسبة إليه وطنًا كاملًا، وكم من أبٍ أو أمٍّ ذاقا ألم فقد الابن، وكم من إنسانٍ تغيّرت حياته بسبب مرضٍ لم يكن في حسبانه، وكم من قلبٍ حمل وجعًا لا يعرفه أحد، لأن بعض الآلام لا تُرى بالعين، وإنما يسكن أثرها في أعماق الإنسان.
وقد يمتحن الله سبحانه وتعالى عبده بشيءٍ يحبه، لا لأن الله يريد له الشر، حاشاه، وإنما لأن وراء بعض الابتلاءات حكمًا لا ندركها في لحظتها.
فقد يكون الألم بابًا إلى القرب من الله، وقد يكون الفقد سببًا في اكتشاف قوةٍ لم نكن نعرف أنها تسكننا، وقد يكون الطريق الذي ظننّاه قاسيًا هو الطريق نفسه الذي قادنا إلى شيءٍ أجمل مما كنا نتمنى.
ولعل أجمل ما يطمئن القلب وسط كل ذلك أن الإنسان لا يعيش في هذه الدنيا إلى الأبد.
هذه الحياة، بكل ما فيها من أفراحٍ وأحزان، لقاءاتٍ وفراق، بداياتٍ ونهايات، ليست إلا محطةً قصيرة في طريقٍ أطول.
ولهذا، حين يشتد عليك البلاء، لا تنظر إلى ألمه وحده، بل تذكّر أن له نهاية، وأن ما تعيشه اليوم لن يبقى إلى الأبد.
ستمرّ الأيام، وستمضي المحطات، وستهدأ أشياء ظننت يومًا أنها لن تهدأ، وستغلق أبوابٌ كثيرة، وستُفتح أبوابٌ أخرى، حتى تنتهي رحلة الدنيا كلها.
وعندها سنعرف أن كل ما أتعبنا هنا لم يكن هو النهاية.
فالنهاية الحقيقية ليست في دارٍ امتلأت بالاختبارات، وإنما في دارٍ لا فراق فيها، ولا مرض، ولا خوف، ولا حزن؛ دارٍ أعدّها الله لعباده المؤمنين، وهي الجنة.
فلا تجعل قسوة الطريق تُنسيك جمال الوصول، ولا تجعل طول الابتلاء يجعلك تظن أن الرحمة غائبة.
ربما لا نفهم الحكمة الآن، وربما لا نرى الصورة كاملة، لكن يكفينا أن نؤمن بأن الله أرحم بنا من أنفسنا، وأن وراء كل قدرٍ حكمة، ووراء كل صبرٍ أجر، وأن هذه الدنيا مهما طالت، فإنها في النهاية ليست دارَ راحة... وإنما الطريق إلى دار الراحة الحقيقية.

تعليقات
إرسال تعليق