أناقة الصمت.. حين تغدو الحكمة في الاستغناء عن الكلمة

 


بقلم د. ولاء عابد


في عصر طغى عليه الضجيج وأصبحت فيه المنصات الرقمية والمجالس اليومية تحث الإنسان باستمرار على إبداء الرأي والتعليق الفوري والركض خلف إثبات الوجود عبر الكلمات يغدو "الصمت" خيارا استثنائيا ونادرا يعكس أسمى درجات النضج والوعي الإنساني. 


لقد اعتاد العالم المعاصر ربط الفصاحة والتأثير بكثرة الحديث والتواجد الدائم في صدارة النقاشات غير أن الواقع العميق يثبت يوما بعد يوم أن أبلغ أشكال القوة والسيادة النفسية قد تكمن في تلك اللحظة التي يقرر فيها المرء الاحتفاظ بكلماته والانحياز التام لسكينة الصمت المترفع.


إن الصمت الحقيقي الذي نتحدث عنه هنا لا يمت بصلة للجهل ولا ينبع من العجز أو الانكفاء الخجول بل هو "صمت القوة والاقتدار". 


إنه الامتناع الإرادي عن الخوض في سجالات عقيمة والتسامي عن الرد على الإساءات العابرة والتخلي الشجاع عن شهوة "الانتصار في النقاشات" التي لا تثمر إلا جفاء واستنزافا ذهنيا. 


إن الشخص الذي يمتلك مهارة ضبط لسانه وإدارة صمته بحكمة هو في الحقيقة يمتلك زمام ذاته فهو لا يسمح للمثيرات الخارجية أو انفعالات الآخرين بأن تستدرجه إلى معارك جانبية تسلب منه أمانه النفسي ووقاره الإنساني بل يدرك أن بعض المواقف يكون الرد عليها إعطاء لحجم لا تستحقه وأن التجاهل الصامت هو أقصى درجات العقوبة والتأديب للإساءة.


تبدأ أزمة التواصل في مجتمعاتنا المعاصرة من الرغبة القهرية في ملء كل مساحة بالحديث وافتراض أن الصمت موقف سلبي أو دليل على ضعف الحجة وعدم الاهتمام. 


إلا أن الحديث المفرط غالبا ما يفقد الكلمات وزنها وقيمتها ويوقع صاحبها في زلات الفهم وطيش العبارة ويجعل نتاجه الفكري مشتتا ومكشوفا للجميع. 


عندما يمارس الإنسان "أناقة الصمت" فإنه يمنح نفسه أولا فرصة الإنصات العميق ذلك الإنصات التأملي الذي يتيح له رؤية ما خلف السطور وفهم دوافع الآخرين غير المعلنة وتقييم الموقف بعين الحكمة والحياد بدلا من الاندفاع العاطفي السريع. 


فالصمت هو الملاذ الوحيد الذي ينضج فيه الفكر المتزن وترمم فيه الروح ما أفسده لغو الحياة وخوض العابرين.


علاوة على ذلك يمنح الصمت صاحبه هيبة ومساحة من الغموض المحمود الذي يحفظ خصوصيته ويحميه من التبذل اللفظي. 


إن كثرة الكلام تسقط الخصوصية وتجعل المرء كتابا مفتوحا يقرأه الجميع دون عناء بينما يصنع الصمت سياجا ناعما حول عالمك الداخلي ويجعل لكل كلمة تنطق بها وزنا وثقلا في قلوب وعقول من يستمعون إليك. 


إن العقول الكبيرة تدرك أن الطاقة النفسية والذهنية مادة محدودة وأن إهدارها في الكلام والاستعراض اللفظي يطرح ثمارا جوفاء في حين أن اختزان هذه الطاقة بالصمت يعيد توجيهها نحو البناء الحقيقي والتفكير العميق والإنتاج الملموس.


إن هناك مواقف في الحياة يكون فيها الصمت أبلغ وأشد تأثيرا من آلاف الخطب العصماء فالصمت في وجه الغضب حلم ووقار وفي وجه السفاهة ترفع وعزة وفي مواقف الحزن والوفاء مشاركة وجدانية عميقة تتجاوز حدود اللغة العاجزة. 


أن تتقن فن الصمت يعني أن تدرك متى تتكلم وكيف تتكلم والأهم من ذلك أن تعرف متى تصمت وتنسحب بهدوء إيمانا  بأن الكلمة ملكك ما دمت لم تنطق بها فإذا خرجت أصبحت أنت أسيرا لها ولنتائجها.


أن نختار الصمت بحكمة لا يعني الانفصال عن الحياة أو التخلي عن إظهار الحق بل هو اختيار للسلام والعمق واسترداد لجمال البساطة والإنسانية فالمرء العاقل لا يقاس بمدى ارتفاع صوته أو كثرة مداخلاته في المجلس بل بحسن اختيار أوقات كلامه وبجمال وأناقة صمته حين تكون الحكمة الحقيقية في أن لا يقول شيئاً.

تعليقات