مشهد جنازة أوفيليا من روائع شكسبير
ترجمة /د. جيهان جلال
مسرحية هامليت، مشهد جنازة أوفيليا
الفصل الخامس، المشهد الأول
لارتيس:
أيُّ مراسمَ أخرى؟
الكاهن:
لقد أُقيمت مراسم دفنها على أوسع نطاق تسمح به صلاحياتنا.
فموتها كان موضع شك،
ولولا أن الأمر الملكي يتجاوز أحكام الكنيسة،
لكان ينبغي أن تُدفن في أرضٍ غير مقدسة
إلى أن يُنفخ في الصور.
ولكان ينبغي أن يُلقى عليها، بدل صلوات الرحمة،
الصوان والحصى والحجارة المحطمة.
ومع ذلك، فقد سُمح لها بأن تحظى
بزينة العذارى، وبزهور جنازتها،
وأن تُقرع لها أجراس الكنائس،
وأن تُقام لها مراسم الدفن.
لارتيس:
أفلا ينبغي أن تُقام المزيد من المراسم؟
الكاهن:
كلا، فلو فعلنا، لكنا قد دنّسنا شعيرة دفن الموتى،
وأقمنا لها قداسًا جنائزيًا،
ومنحناها من صلوات الراحة
ما لا يُمنح إلا للأرواح التي فارقت الحياة في سلام.
لارتيس:
ضعوها في التراب،
وليزهر البنفسج من جسدها الطاهر الجميل.
إني أؤكد لك، أيها الكاهن الغليظ،
أن أختي ستصبح ملاكًا في السماء،
بينما أنت في الجحيم تصرخ مولولًا.
هاملت، لهوراشيو:
ما هذا؟ أهي أوفيليا الجميلة؟
الملكة:
أزهار جميلة لزهرة جميلة... وداعًا!
تمنيت أن تكوني زوجة لابني هاملت،
وكنت أظن أنني سأُزيّن لكِ فراش زفافكِ، أيتها العذراء الجميلة،
لا أن انثر الأزهار على قبرك.
لارتيس:
آه، فليحلَّ ثلاثةُ أضعافِ الويل،
بل عشرات المرات المضاعفة،
على ذلك الرأس الملعون
الذي حرمكِ، بفعلته الآثمة،
من عقلكِ البديع وحواسكِ المرهفة!
أبعدوا التراب قليلًا،
حتى أضمها إلى ذراعيَّ مرة أخرى.
(يقفز إلى القبر)
لارتيس:
والآن، كوّموا ترابكم فوق الأحياء والأموات،
حتى تصنعوا من هذا المكان جبلًا
يتجاوز جبل بيليون القديم،
أو يبلغ قمة أوليمبوس الزرقاء التي تعانق السماء.
هاملت، متقدمًا:
مَن هذا الذي يبدو حزنه بهذا القدر من القوة؟
ومن هذا الذي تبلغ عبارات حزنه من الشدة
حدًا يستدعي النجوم الهائمة من أفلاكها
فيجعلها تتوقف،
كأنها مستمعة مدهوشة جريحة من فرط العجب؟
إنه أنا،
هاملت الدنماركي.
لارتيس، خارجًا من القبر:
ليأخذ الشيطان روحك.
هاملت:
لا خير في دعائك.
(يتعاركان)
هاملت:
أرجوك، ارفع أصابعك عن حنجرتي،
ومع أنني لست سريع الغضب ولا متهورًا،
لكن في داخلي شيئ خطير،
كن حكيمًا واحذره، ارفع يدك عني.
الملك:
فرِّقوا بينهما.
الملكة:
هاملت، هاملت.
الجميع:
أيها السيدان.
هوراشيو:
مولاي، اهدأ.
(يباعد الحاضرون بينهما)
هاملت:
حسنًا، سأظل أقاتله بسبب هذا الأمر
إلى أن أُنهك تمامًا وأعجز عن إبقاء عيني مفتوحتين.
الملكة:
يا بني، أي أمرٍ هذا؟
هاملت:
لقد أحببت أوفيليا.
ولو كان هناك أربعون ألف أخ،
لما استطاعوا، بكل ما يملكون من حب،
أن يبلغوا مقدار حبي لها.
فماذا ستفعل أنت من أجلها؟
الملك:
آه، إنه مجنون يا لارتيس!
الملكة:
بربك، اتركه وشأنه.
هاملت:
هيا أرني ما الذي تريد فعله.
أستبكي؟ أستقاتل؟ أستصوم؟
أستمزق نفسك؟
أستشرب الخل؟ أستأكل تمساحًا؟
سأفعل كل ذلك.
أجئت إلى هنا لتئن وتتباكى؟
لتتحداني بالقفز إلى قبرها؟
لتُدفن حيًا معها؟ سأفعل ذلك أيضًا.
وإن كنت ستظل تهذي بذكر الجبال، فليُلقوا علينا منها ملايين الأفدنة،
حتى إن أرضنا، وهي تحرق قمتها عند المنطقة المحترقة،
تجعل جبلَ أوسا نفسه كأنه ثؤلول.
وإن كنت ستتشدق بالكلام،
فسأهذي أنا أيضًا وأبالغ مثلك.
الملكة:
إنه جنون محض؛
وستظل هذه النوبة مسيطرة عليه لبعض الوقت.
ثم يهدأ كالحمامة حين تظهر فراخها الذهبية،
فيغدو صمته مطرقًا حزينًا.
هاملت:
اسمعني، يا سيدي،
ما الذي يدفعك إلى معاملتي بهذه الطريقة؟
كنت دومًا أحبك. ولكن لا بأس.
فمهما فعل هرقل من خوارق،
سيظل القط يموء،
ويظل الكلب ينبح طوال يومه.
(يخرج هاملت)

تعليقات
إرسال تعليق