عمرو محمد على رحل الجسد بعدما ظلّ القلب ينتظر الشفاء

 بقلم: منى منصور السيد.


لم أستطع أن أكتب عن رحيل الفنان عمرو محمد علي بالأمس.


وصلني الخبر، وقرأته، وظللت أمامه عاجزة عن أن أكتب كلمة واحدة.


ربما لأن بعض الأخبار لا تمر علينا كأخبار عادية، وبعض الحكايات تلمس مكانًا حساسًا داخلنا، فتجعل الكتابة عنها أصعب من الصمت.


رحل عمرو محمد علي أمس، بعد رحلة مرض امتدت لنحو 18 عامًا، عاش خلالها مع التصلب المتعدد، ذلك المرض الذي لم يكتفِ بأن يأخذ منه قدرته على الحركة، وإنما أخذ معه سنوات طويلة من حياته الفنية، وأبعده عن الشاشة التي أحبها وعن المهنة التي كان يتمنى أن يعود إليها.


لكن أكثر ما يؤلمني في حكايته ليس المرض وحده.


إنما ذلك الإنسان الذي ظل، رغم كل شيء، ينتظر أن يتحسن.


أن يقف على قدميه.


أن يعود للتمثيل.


أن يرى ابنته.


أن يشعر أن الحياة ما زالت تفتح له بابًا.


من «شقشق» الذي عرفناه.. إلى رجل حاصره المرض


عمرو محمد علي لم يكن اسمًا عابرًا في ذاكرة الدراما المصرية.


عرفه الجمهور منذ طفولته، وارتبط به في عدد من الأعمال، وربما بقيت شخصية «شقشق» في مسلسل «أرابيسك» من أكثر الشخصيات التي يتذكره بها الجمهور.


كان طفلًا وفنانًا صغيرًا أمام الكاميرا، ثم كبر وهو يحلم بأن يكمل الطريق.


لكن المرض كان له رأي آخر.


في عام 2006 تقريبًا بدأت معاناته مع التصلب المتعدد، ومنذ ذلك الوقت تغيرت حياته بالكامل.


لم يعد الأمر مجرد مرض يحتاج إلى علاج.


أصبح يومه مرتبطًا بقدرته على الحركة، وبالعلاج، وبمن يساعده، وبالأمل في أن يستعيد شيئًا من حياته القديمة.


ومع مرور السنوات، اشتد المرض عليه، حتى أصبح غير قادر على الوقوف والمشي بصورة طبيعية.


ومع ذلك، ظل يحلم.


وهذه ربما كانت أكثر الأشياء إنسانية في حكايته.


كان يتمنى شيئًا بسيطًا جدًا


لم يكن عمرو يحلم بثروة، ولا بالعودة إلى النجومية التي عرفها في طفولته.


كان يتمنى فقط أن يقف على قدميه مرة أخرى.


كان يتمنى أن يعود إلى التمثيل.


أن يسمع اسمه من جديد في عمل فني.


أن يشعر أنه ما زال قادرًا على أن يقدم شيئًا.


وفي كل مرة كان يتحدث فيها عن مرضه، كان هناك شيء من الأمل يطل من بين كلماته.


كأنه كان يقول لنفسه:


«يمكن بكرة أبقى أحسن».


لكن «بكرة» طال كثيرًا.


عامًا بعد عام.


حتى أصبح الانتظار نفسه جزءًا من حياته.


المرض لم يكن الوجع الوحيد


حين نتحدث عن عمرو محمد علي، لا يصح أن نختصر حكايته في التصلب المتعدد.


لأن الإنسان يمكن أن يحتمل ألم الجسد، لكن هناك آلامًا أخرى لا يعرف كيف يحتملها.


عمرو تحدث في لقاءات إعلامية عن تفاصيل قاسية عاشها في حياته الزوجية، ومنها موقف ظل عالقًا في ذاكرته منذ بداية مرضه، عندما اتصلت زوجته بأهله وطلبت منهم أن يأتوا ليأخذوه لأنه لم يعد قادرًا على الوقوف.


كانت الجملة بالنسبة إليه موجعة إلى درجة أنه ظل يتذكرها بعد سنوات.


وعندما سُئل عن إمكانية عودته إليها، كان رده واضحًا بأنه لا يستطيع.


لا يمكننا أن نحكم على علاقة كاملة من رواية طرف واحد، ولا نعرف ما الذي دار داخل البيت، لكننا نعرف شيئًا واحدًا: عمرو نفسه كان يحمل هذا الموقف كجرح لم يلتئم.


أما ابنته.. فكانت الحكاية الأشد وجعًا


كان لعمرو ابنة وحيدة، «شهد».


ومن بين أكثر الحكايات التي تحدث عنها وجعًا، حديثه عن ابتعاد ابنته عنه في بعض الفترات، وأنها لم تكن تأتي إليه إلا على فترات متباعدة.


كان يتحدث عن ذلك بحسرة الأب، لا بحقد الرجل المجروح.


وكان يرى أن ظروفه المادية، وعدم امتلاكه شقة باسمه، وعيشه في شقة والدته، إلى جانب تكاليف العلاج الباهظة، كلها أمور أثرت في علاقته بها.


لكن اللافت أن كل ذلك لم يطفئ أبوة الرجل.


كان لا يزال يحبها.


ولا يزال ينتظرها.


ولا يزال يتمنى أن تأتي إليه.


وفي واحدة من أكثر لحظاته الإنسانية، وجه إليها رسالة لم يكن فيها عتاب بقدر ما كان فيها اشتياق.


قال لها:


«تعالي اطمني عليّا.. تعالي وريني شكلك إيه.. أنتي حبيبة قلبي.. أنا أبوكي.. شوفي أبوكي.. طمنيني على نفسك».


كم يحتاج الأب من القوة حتى يقول هذه الكلمات بعد كل هذا الألم؟


وكم يحتاج من الحب حتى يظل الباب مفتوحًا، رغم أن الطرف الآخر لم يكن حاضرًا كما يتمنى؟


ربما هذه هي أقسى صورة في حكاية عمرو.


رجل مريض، وحيد، ينتظر ابنته.


ولا يريد منها شيئًا سوى أن يراها.


كان المرض يأخذ منه.. وهو يتمسك بالحياة


كان عمرو يعيش على معاش استثنائي من نقابة المهن التمثيلية، كما ساهمت النقابة في علاجه، وفي النهاية أُعلن عن توفير مدفن له في مقابر النقابة.


لم يكن يملك مصدر دخل ثابتًا يكفي سنوات المرض الطويلة.


والمرض نفسه كان مكلفًا.


والسنوات كانت تمر.


لكن وسط كل هذا، ظل هناك شيء لم يستطع المرض أن يهزمه:


رغبته في الحياة.


كان يريد أن يتحسن.


كان يريد أن يمشي.


كان يريد أن يمثل.


وكان يريد أن يرى ابنته.


أشياء بسيطة جدًا، لكنها بالنسبة إلى رجل حُرم من الحركة لسنوات، كانت تساوي الدنيا كلها.


لماذا لم أكتب بالأمس؟


لأنني كنت أحتاج إلى أن أستوعب الخبر أولًا.


عندما يرحل شخص عاش سنوات طويلة مع المرض، قد يراه البعض مجرد خبر وفاة لفنان غاب عن الشاشة منذ سنوات.


لكن من يعرف معنى المرض الطويل يعرف أن الحكاية أكبر من ذلك بكثير.


وعندما يكون في حياتك شخص يعاني المعاناة نفسها، يصبح خبر مثل هذا مختلفًا.


تقرأ عن التصلب المتعدد، فلا ترى اسم المرض فقط.


ترى التعب.


ترى الخوف.


ترى الانتظار.


ترى شخصًا تحبه وأنت تتمنى أن يخف عنه الألم.


ولهذا لم أستطع أن أكتب بالأمس.


كان الخبر أثقل من الكلمات.


كنت أحتاج إلى أن أمرر الحزن بداخلي أولًا، قبل أن أحاول أن أحوله إلى سطور.


اليوم أكتب عنه كإنسان قبل أن أكتب عنه كفنان


عمرو محمد علي لم يكن مرضًا.


ولم يكن خلافًا عائليًا.


ولم يكن فنانًا اختفى من الشاشة.


كان إنسانًا عاش اختبارًا طويلًا جدًا.


أصابه المرض، فأضعف جسده، لكنه لم يقتل بداخله الرغبة في الشفاء.


خذلته أشياء وأشخاص، لكنه لم يتعلم القسوة.


ابتعدت عنه ابنته، لكنه ظل يقول إنها «حبيبة قلبه».


توقفت قدماه عن مساعدته، لكنه ظل يحلم بأن يقف.


ابتعد عن التمثيل سنوات، لكنه ظل يحلم بالعودة.


وربما لهذا تحديدًا تستحق حكايته أن تُروى.


ليس لكي نشفق عليه.


ولكن لكي نتذكر أن وراء كل مريض قصة لا نعرفها، وأن الإنسان الذي نراه عاجزًا عن الحركة قد يكون داخله قلب ما زال يريد أن يعيش ألف حياة.


رحل عمرو محمد علي أمس.


رحل بعد 18 عامًا تقريبًا من المرض والانتظار.


رحل قبل أن تتحقق أمنيته في العودة إلى الشاشة، وقبل أن يستعيد خطواته التي كان يحلم بها.


لكن ربما جاء وقت الراحة أخيرًا.


لا مرض.


لا علاج.


لا انتظار لجرعة جديدة.


لا سؤال: «إمتى هتحسن؟»


ولا انتظار طويل لزيارة من أحد.


رحم الله عمرو محمد علي.


رحم سنواته الصعبة، ورحم ضعفه ووحدته وأحلامه المؤجلة.


وربما أجمل ما يمكن أن نختم به حكايته هو صوته وهو ينادي ابنته:


«أنا أبوكي.. شوفي أبوكي.. طمنيني على نفسك».


رحل الأب..


وبقي النداء.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية