الحاج محسن شاكر الجبالي... رجلٌ عاش للناس فبقي في قلوبهم
كتب/م.أحمدمختار
في قريتنا الحبيبة، هناك رجال لا تُقاس مكانتهم بما ورثوه من جاه أو مكانة اجتماعية، وإنما بما تركوه في قلوب الناس من محبة، وفي حياتهم من مواقف لا تُنسى.
ومن هؤلاء الرجال الذين أعتز بأن أبدأ بهم هذه السلسلة: الحاج محسن شاكر الجبالي، رحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جناته.
وتوفي في 18 مارس 2024، عن عمر السبعين عامًا تقريبًا، وهناك من يعيش سنوات قليلة، لكنه يترك أثرًا بعد موته لا يموت؛ إنها السيرة الطيبة وحب الناس.
كان الحاج محسن خدومًا رحيمًا بالناس، يسعى للصلح بين المتخاصمين من الأفراد والعائلات، ويدفع من وقته وجهده وماله الكثير في سبيل ذلك. وكان يسعى في مصالح الناس والقرية، ويجمع الناس في بيته، ويقف إلى جوار من يحتاج إليه.
كان عجيبًا في قربه من الناس؛ تجده يجلس على المقهى بينهم، وفي الأفراح، وفي الأحزان والأتراح. لم يكن يرى نفسه أكبر من الناس، ولم تمنعه مكانته من أن يكون بينهم وفي وسطهم.
وكان لا يترك شابًا في السجن إلا ويتدخل بجاهه ومعارفه وعائلته من أجل مساعدته، وكان يتعامل مع شباب القرية جميعًا كأنهم أولاده. وكان أبًا للصغير والكبير، محبًا للجميع، قريبًا من قلوبهم.
تزوج الحاج محسن في شبابه، وتأخر الإنجاب عنده أعوامًا، لكنه ظل أبًا لشباب القرية وأبنائها. وفي آخر العمر، منَّ الله عليه بالذرية الصالحة، فلم يتركه فردًا، فبارك الله فيهم ونفع بهم.
وكان أيضًا فلاحًا ناجحًا، وينفق من ماله في خدمة الناس، وله أكثر من لقاء إعلامي على التليفزيون، وخاصة على قناة شمال الصعيد من المنيا، يتحدث فيها عن قضايا الناس والزراعة والقرية.
وكان عمدة قلوبنا المتوَّج بعد وفاة العمدة الأسبق وبقاء المنصب شاغرًا، حتى تعيين العمدة المحترم الحاج مصطفى عفيفي.
ولعل أجمل ما في الحاج محسن أنني، وأنا أكتب عنه اليوم، لا أريد منه خدمة ولا مصلحة؛ فالرجل الآن بين يدي الله. وإنما يكفيه ثناء الناس عليه في موته وجنازته، وما زال الناس يذكرونه بالخير حتى اليوم.
وأذكر له موقفًا شخصيًا لن أنساه ما حييت.
كان ذلك في أبريل عام 2004، وقبل دخولي الجيش بيوم واحد. جاء إلى قريتنا ضابط مباحث شاب، ومعه بلاغ ضد عدد من شباب القرية الذين بدأوا مشروعات صغيرة، فقام باقتياد بعضهم إلى سيارة الشرطة.
كنت وقتها عائدًا من الغيط، وذهبت لأرى ما يحدث، فحدثت مشادة بيني وبين أحد أفراد الشرطة، ثم اقترب مني الضابط ومد يده إلى ياقة قميصي، فأمسكت يده، فما كان منه إلا أن صاح:«اركبوه البوكس!»
واقتادوني مع الشباب إلى مركز شرطة ملوي، وأدخلوني الحجز. صليت الظهر والعصر، وأكثرت من الدعاء:﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾.
ولم أكن أعلم أن الفرج سيأتي سريعًا؛ فقد سخر الله لي الحاج محسن شاكر الجبالي، رحمه الله، الذي جاء إلى مركز الشرطة، وبعد نحو نصف ساعة تمكن من إخراجي من الحجز.
وانتهى الأمر كله بمحضر وغرامة قدرها عشرة جنيهات فقط، ولم ينزل ذلك الضابط إلى القرية مرة أخرى حتى تم نقله من مركز ملوي.
وبقيت من هذه الحكاية عبرة لا أنساها: من جاء ليطبق القانون، فليطبقه باحترام وعدل، دون استعراض للقوة أو محاولة فرض الهيبة على قرية وأهلها؛ فالقانون يحترمه الناس عندما يرونه عدلًا وهيبةً منضبطة، لا استعراضًا للقوة.
وللحاج محسن عندي ذكرى أخرى بسيطة، لكنها عزيزة على قلبي.
كانت أول مرة أركب فيها حصانًا في حياتي في مزرعة هذا الرجل الكريم.
وكان جارنا يعمل حارسًا لمزرعته، ودخلت المزرعة مع أولاده، وكانت تلك أول تجربة لي مع ركوب الخيل.
قد تبدو هذه الحكاية صغيرة، لكنها بالنسبة لي جزء من ذاكرة رجل أحببته واحترمته.
أما عن أصله ومكانته، فقد ورث الحاج محسن مكانته عن والده، الحاج شاكر الجبالي، نقيب المحامين الأسبق بالمنيا، وأحد كبار رجال عائلة الجبالية، وكان أخوه الأستاذ علاء الجبالي، المحامي المعروف، رحمه الله وبارك في أولادهما.
وكان الحاج محسن قريبًا من ابن عمته، الحاج مصطفى عفيفي، عمدة قريتنا، المعروف بأخلاقه، ومن عائلة العفايفة، التي كان من أبنائها الحاج فاروق عفيفي، محافظ المنيا الأسبق، وشقيقه الحاج إكرام عفيفي، عضو مجلس الشعب الأسبق. رحم الله من رحل منهم، وبارك فيمن بقي.
لكن قيمة الحاج محسن الحقيقية لم تكن في نسبه أو مكانته، وإنما في شهامته وخدمته للناس وقربه منهم. فقد اختار أن يجعل ما ورثه من مكانة في خدمة أهل قريته، فترك وراءه محبة وسيرة طيبة لا تُنسى.
رحم الله الحاج محسن وجميع رجال قريتنا الذين رحلوا وتركوا سيرة طيبة، وبارك الله في عمر الحاج مصطفى عفيفي، عمدة قريتنا.
اللهم أحسن لنا الخاتمة جميعًا.
وهذه بداية سلسلة «أعلام من قريتنا»، لنتذكر رجالًا من قلبا ونحفظ سيرتهم للأجيال القادمة.

الله ينور عليكي يا دكتورة مني. تسلم يا رب
ردحذف