القطاع الخاص والجيوسياسةالأقليمية....مَن يدفع ثمن اقتصاد الأزمات: أرباح الشركات أم جيب المواطن؟
قلم/ د..نورا الجابري.
مدرس الاقتصاد السياسي والتشريعات الاقتصادية، بمعهد راية العالي.
في ظل الاضطرابات الإقليمية المتلاحقة، أصبح يُردد في الأروقة الاقتصادية مصطلح "إدارة المخاطر الجيوسياسية" باعتباره تحديًا تواجهه المؤسسات والشركات المصرية. ولكن بعيدًا عن لغة الأرقام والميزانيات، يقف المواطن البسيط في منتصف المعادلة، ليتساءل بحسرة: لماذا يُطلب منه دائمًا أن يكون "جيب المواطن" هو الذي يتحمل فاتورة الأزمات؟
إن الظاهرة الأكثر إيلامًا في أوقات الأزمات ليست أصل الأزمة الاقتصادية، بل "الارتفاع العشوائي للأسعار" من قبل بعض أطراف القطاع الخاص، حيث تُستغل الضغوط الجيوسياسية كغطاء ومسوغ جاهز لموجات متتالية من الغلاء، تتجاوز في كثير من الأحيان الزيادة الحقيقية في التكلفة.
المواطن ليس مساهمًا في شركة ليتحمل خسائر السوق، ولا هو صاحب قرار سياسي ليدفع ثمن التوترات الإقليمية. فكيف ننتقل من مجرد حماية أرباح الشركات إلى حماية القوة الشرائية للمواطن؟
1ـ التضخم العشوائي: الفرق بين "زيادة التكلفة" و"استغلال الأزمة" هناك فارق جوهري بين صدمة عرض حقيقية (كتلف شحنة أو ارتفاع عالمي مثبت في الشحن) وبين "التسعير التحوطي المبالغ فيه". فعندما يضع بعض التجار هامش ربح إضافي لمواجهة "خطر مستقبلي محتمل"، فإنهم ينقلون مخاطر عملهم التجاري بالكامل إلى كاهل المستهلك. هذا السلوك لا يضر بالمواطن فحسب، بل يضر بالاقتصاد ككل؛ لأنه يؤدي إلى انكماش القوة الشرائية، وكساد الأسواق، ودخول الاقتصاد في دورة خبيثة من التضخم الذاتي.
2ـ خارطة طريق لحماية المواطن: حلول عملية وعادلة إن حماية المواطن لا تعني العودة إلى سياسات التسعير الجبري القاسية التي تخنق الاستثمار، بل تعني تفعيل آليات السوق العادلة وتطبيق دولة القانون الاقتصادي عبر خطوات محددة، وذلك علي النحو التالي:
أ. الشفافية وإلزامية الإفصاح عن هيكل التكلفة يجب أن ترتبط أي زيادة في أسعار السلع الأساسية والمستلزمات الضرورية بشفافية واضحة. عندما يدرك المستهلك والتنفيذي أن هناك رقابة على "هيكل التكلفة الحقيقي"، يتوقف التسعير العشوائي المبنـي على التكهنات والشائعات.
ب. الضرب بحديد على الممارسات الاحتكارية الارتفاع العشوائي غالباً ما ينتج عن تواطؤ غير معلن أو هيمنة قلة من الفاعلين في سوق سلعة معينة. إن تفعيل دور جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية وتغليظ العقوبات على حبس السلع أو الاتفاق المسبق على رفع الأسعار هو خط الدفاع الأول عن جيب المواطن.
ج. البديل الوطني: منافذ الدولة والسلاسل الموازية لتلجئ الدولة إلى أدواتها التوازنية عبر توسيع نطاق المنافذ والمجمعات الاستهلاكية وضخ السلع بأسعار عادلة. هذا التواجد يخلق "سعرًا مرجعيًا" في السوق يُجبر القطاع الخاص على ضبط أسعاره للبت في المنافسة.
د. تشجيع سلاسل الإمداد القصيرة (من المنتج للمستهلك) تتضاعف الأسعار بسبب كثرة الوسطاء والوسطاء التجار بين المصنع/المزارع والمستهلك النهائي. إن دعم أسواق اليوم الواحد، وإنشاء بورصات سلعية رقمية تُقرّب المنتج من المستهلك، يقطع الطريق على المضاربات العشوائية.
3ـ القطاع الخاص المسؤول: المواطنة الاقتصادية ليست خيارًا إن القطاع الخاص الذي يطالب الدولة بدعمه وتسهيل أعماله في أوقات الأزمات، عليه واجب أخلاقي واقتصادي يتمثل في "المواطنة الاقتصادية".المرونة الحقيقية للشركات لا تكتمل بزيادة الهوامش الربحية على حساب المستهلك المجهد، بل بابتكار حلول لضغط التكاليف التشغيلية، وزيادة كفاءة الإنتاج، وتقاسم عبء الصدمات الجيوسياسية مع المجتمع. فالشركات التي تستنزف زبائنها وقت الأزمة، لن تجد من يشترِ منها عندما تهدأ العاصفة. كما أن رفع الفاتورة الجيوسياسية عن كاهل المواطن ليس مطالبة بالرفاهية، بل هو شريان الحياة للاقتصاد المحلي. وضبط الأسواق ومنع العشوائية ليس حظرًا لحرية التجارة، بل هو إعادة لتوازن عادل يُبقي للإنتاج قيمته، وللمواطن كرامته وقدرته على العيش.
في ظل التشريعات المصرية الحالية، يمتلك المستهلك مجموعة من الحقوق والآليات القانونية التي تمكنه من مواجهة جشع التجار والارتفاع العشوائي للأسعار، والانتقال من دور "المتلقي للضرر" إلى "المشارك في ضبط السوق". الدليل القانوني لحماية المستهلك المصري من الغلاء العشوائي والتعامل مع المخالفات:
الأسانيد القانونية: يحظر قانون حماية المستهلك (181/2018) عدم إعلان الأسعار، وحجب السلع، والامتناع عن إصدار الفواتير بعقوبات تصل للحبس وغرامة مليوني جنيه.
قنوات الإبلاغ: يتم تقديم البلاغات عبر الخط الساخن لـ جهاز حماية المستهلك (19588) أو واتساب (01577779999)، ومنظومة الشكاوى الحكومية (16528)، ومباحث التموين (19280).
مواصفات البلاغ الفعال: يتطلب تقديم عنوان المحل بدقة، وتحديد نوع المخالفة، وإرفاق الأدلة كصورة الفاتورة أو الامتناع عن البيع لضمان السرعة والتفتيش الفوري.

تعليقات
إرسال تعليق