آمنة بنت وهب.. سيرة أمٍّ عظيمة حملت خير البشر ﷺ

 


بقلم الإعلامي الدكتور / أحمد شندي 

نائب رئيس التحرير 


كانت آمنة بنت وهب، التي عُرفت بين قومها بمكانتها الرفيعة وجمالها وأدبها، من خيرة فتيات قريش نسبًا ومكانةً وعفةً. وقد أحاطها أهلها بعناية كبيرة، حتى قيل إن كثيرًا من الناس لم يكونوا يعرفون ملامحها من شدة حرص أسرتها عليها، فكانت محط إعجاب وتقدير بين فتيات قريش، وتمنى كثير من شباب مكة أن تكون زوجةً لهم.


ولم يكن جمال آمنة وحده سببًا في شهرتها، بل عُرفت كذلك برجاحة العقل، وحسن الخلق، والرزانة، والفطنة، الأمر الذي جعلها موضع اهتمام كبار بيوت قريش. وتقدم إليها عدد من خيرة شباب مكة، إلا أن والدها وهب بن عبد مناف كان شديد الحرص على اختيار الزوج الذي يليق بمكانتها، فلم يكن يقبل بأي متقدم مهما كانت مكانته.


وفي ذلك الوقت كان عبدالله بن عبدالمطلب واحدًا من أكثر شباب مكة شرفًا ونسبًا ووسامةً، لكنه لم يكن قد تقدم لخطبة آمنة في البداية، بسبب النذر الذي كان قد قطعه والده عبدالمطلب.


فحين كان عبدالمطلب يحفر بئر زمزم، لم يكن له من الأبناء سوى الحارث، وكانت قريش تعيّره بقلة الولد، فنذر لله أنه إذا رزقه بعشرة أبناء، فسوف يذبح أحدهم عند الكعبة. فلما رزقه الله بعشرة أبناء، وقع الاختيار على عبدالله، أصغر أبنائه وأحبهم إلى قلبه.


غير أن عبدالمطلب لم يستطع أن يقدم ابنه قربانًا، فافتداه بمائة من الإبل، وبذلك نجا عبدالله من الذبح. وبعد انتهاء هذه الحادثة، اصطحب عبدالمطلب ابنه عبدالله إلى وهب بن عبد مناف، وتقدم إليه طالبًا يد ابنته آمنة.


وكان هذا الزواج فرحة كبيرة، فقد اجتمع فيه شرف النسب مع حسن الخلق والجمال. وكان عبدالله من أجمل شباب قريش وأشرفهم، وكانت آمنة من أكرم فتياتها وأحسنهن سيرة، فكان زواجهما حديث الناس، وتمنى كثيرون لو نالوا ما ناله كل منهما.


ولم تمضِ فترة طويلة على زواجهما حتى اضطر عبدالله إلى الرحيل مع إحدى القوافل التجارية المتجهة إلى الشام. وفي أثناء غيابه بدأت آمنة تشعر ببدايات الحمل، وكان حملها، بحسب الروايات المتداولة، يسيرًا لم تجد فيه مشقة شديدة.


وتروي كتب السيرة أن آمنة رأت في منامها رؤيا عظيمة، رأت فيها نورًا يخرج منها ويضيء ما حولها، حتى بدت لها قصور بصرى في بلاد الشام، وسمعت من يقول لها إنها حملت بسيد هذه الأمة. وظلت هذه الرؤيا عالقة في ذاكرتها، وكانت تحدث المقربين منها بما رأته.


لكن فرحتها بالحمل لم تكتمل؛ فقد وصل إليها خبر وفاة زوجها عبدالله بن عبدالمطلب بعدما أصابه المرض في أثناء عودته، فتوفي في يثرب ودُفن هناك. وكان الخبر شديدًا على آمنة، كما كان حزنًا أصاب مكة كلها، فقد كان عبدالله محبوبًا ومشهورًا بين قومه.


ورغم قسوة الفقد، تحملت آمنة حزنها، وتمسكت بجنينها الذي أصبح مصدر عزائها وأملها. حتى جاء يوم الولادة، فولدت محمدًا ﷺ، خير خلق الله وسيد ولد آدم.


وبحسب ما كان متعارفًا عليه عند العرب، أُرسل الطفل محمد ﷺ إلى البادية، حيث عاش فترة من طفولته في كنف حليمة السعدية، ثم عاد إلى أمه آمنة.


وبعد عودته، أرادت آمنة أن تزور قبر زوجها عبدالله، وأن تأخذ معها ابنها الصغير، وفاءً لزوجها وحرصًا على أن يرى محمد ﷺ المكان الذي دُفن فيه والده. فانطلقت من مكة في رحلة شاقة برفقة ابنها وأم أيمن.


ووصلت آمنة إلى يثرب، وزارت قبر عبدالله، ثم مكثت فترة قبل أن تبدأ رحلة العودة إلى مكة. وفي الطريق، وعند منطقة الأبواء، اشتد عليها المرض والتعب، وشعرت أن جسدها لم يعد يقوى على مواصلة الرحلة.


وكان أكثر ما يشغل قلبها في تلك اللحظات ابنها الصغير، فظلت تنظر إليه وتحتضنه، وكأنها أرادت أن تملأ عينيها من رؤيته قبل أن تفارقه.


واشتد عليها المرض حتى سقطت، فاحتضنت ابنها محمدًا ﷺ، وكانت كلماتها الأخيرة له تحمل معاني عميقة عن أن الدنيا إلى زوال، وأن كل حي مآله إلى الموت.


ثم فارقت آمنة بنت وهب الحياة، وتركت طفلًا صغيرًا لم يتجاوز السادسة من عمره، فقد أباه قبل أن يعرفه، ثم فقد أمه أمام عينيه.


وكان المشهد شديد القسوة؛ طفل صغير يقف أمام قبر أمه في الصحراء، لا يفهم لماذا غابت عنه، ولا يستطيع أن يستوعب معنى الفراق. وتروي الروايات أن أم أيمن كانت تحاول التخفيف عنه، ثم اصطحبته عائدة إلى مكة.


وعندما وصل محمد ﷺ إلى مكة، ذهب إلى جده عبدالمطلب، فسأله عن أمه، فما كان منه إلا أن بكى وقال إنها ماتت، فاحتضنه جده وواساه.


وهكذا بدأت طفولة النبي ﷺ باليُتم، فقد فقد أباه قبل مولده، ثم فقد أمه وهو في السادسة من عمره، ثم تكفله جده عبدالمطلب.


وبعد سنوات طويلة، ظل أثر أمه حاضرًا في قلبه ﷺ. وتذكر كتب السيرة أنه مر بقبرها يومًا، فتوقف عنده وبكى، وبكى من حوله لبكائه.


إنها آمنة بنت وهب، المرأة التي حملت في رحمها خير البشر، واحتضنت طفلًا كان قدره أن يكون خاتم الأنبياء والمرسلين.


سلامٌ على آمنة بنت وهب، أمِّ رسول الله ﷺ، وعلى محمد بن عبدالله، خير خلق الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.


اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية