بين الذكرى ووعد اللقاء


كتب معالى اللواء سامى محمود دنيا

يا ليلُ… طال بي سهري، حتى حسبتُ أن النجوم أصبحت رفاق وحدتي، تسألني كل مساء: أما آن لقلبك أن يستريح؟ فأجيبها بصمتٍ يختصر حكاياتٍ لا تنتهي، وأحلامٍ ما زالت معلقة بين الأرض والسماء.


في سكون الليل، تصبح الذاكرة أكثر حضورًا، وتتكلم التفاصيل التي ظننا أنها ماتت. تمر الوجوه، والأماكن، والضحكات، كأنها صفحات كتابٍ قديم، كلما أغلقناه أعاد الزمن فتحه من جديد. هناك أشياء لا تموت، بل تعيش في أعماق القلب، تهمس كلما خيم الصمت، وتوقظ الشوق كلما أقبل الليل.


أجلس أُسامر النجوم، وأحاور القمر، حتى إذا هبت نسمة السحر، شعرت أن الكون كله يهمس بالأمل، وأن خلف كل عتمة فجرًا ينتظر، وخلف كل غياب موعدًا لا يخلفه القدر.


وما بين ماضٍ ترك في الروح ندوبًا لا تُرى، وذكرياتٍ لا تزال تبتسم رغم الألم، يبقى القلب مؤمنًا بأن الغد يحمل ما يستحق الانتظار. فالحياة لا تُبنى على ما فقدناه، بل على ما نرجو أن نجده، وما نزرعه من أمل في دروب الأيام.


إن أجمل ما في الإنسان أنه قادر على أن يحول الحنين إلى قوة، والدمعة إلى دعاء، والانتظار إلى يقين. فليس كل من غاب قد رحل، وليس كل لقاءٍ مؤجل قد ضاع، فربما يخبئ الله لنا من جميل الأقدار ما يعوض أعوامًا من الصبر.


وسيظل القلب، مهما أثقله الشوق، يؤمن بأن هناك لقاءً يبدد وحشة الليالي، ويعيد للروح دفئها، فتلتقي الأرواح التي كتب الله لها أن تتلاقى، بعد طول انتظار.


فما بين ذكرى لا تغيب، وأمل لا يموت، يعيش الإنسان… مؤمنًا بأن بعد الليل فجرًا، وبعد الصبر لقاءً، وبعد الشوق حضنًا يطمئن إليه القلب، فيدرك أن أجمل الحكايات هي تلك التي يكتب نهايتها الله. 

تعليقات