حين نحاكم الخيال بمنطق الواقع


 كتبت/ سماح العباسي 

الجزء الثاني 



كتب لأجيال من الشباب، وصنع شخصيات أصبحت جزءًا من ذاكرة قرائها.

قد نختلف حول مستواه الأدبي، وقد ننتقد بعض أعماله، وقد نرى أن بعض الحبكات كانت أكثر مبالغة مما ينبغي، وهذا كله مشروع.


لكن من الظلم أن نمحو أثر تجربة كاملة بمجرد السخرية من مبالغات أبطالها.

أدهم صبري لم يكن مطالبًا بهزيمة أجهزة مخابرات العالم في الواقع؛ كان مطالبًا بأن يجعل القارئ يلهث خلف الصفحة التالية.

وهذا ما تفعله شخصيات المغامرات الكبرى.

إنها لا تقدم لنا الحياة كما هي، وإنما تقدم لنا الحياة كما يمكن أن يتخيلها الكاتب.

ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا بقيت شخصيات كثيرة في الأدب والسينما رغم استحالة وجودها في الواقع. 

فشيرلوك هولمز ليس نموذجًا واقعيًا كاملًا للمحقق، وجيمس بوند ليس موظفًا حكوميًا ينبغي أن نتحقق من كل مغامراته، وأبطال الخيال العلمي ليسوا مطالبين بالحصول على موافقة المختبرات العلمية قبل دخولهم الرواية.

إنهم أبناء الخيال.

والخيال لا يعيش إذا خنقناه بالواقع.

لكن ثمة مشكلة أخرى أخطر من المبالغة في الخيال، وهي أن يتحول النقد إلى نوع من تصفية الحسابات.

هناك فرق شاسع بين أن تقول:

«هذه الرواية ضعيفة البناء، وهذه الشخصية غير مقنعة، والحوار مفتعل، والحبكة تعاني من مشكلات فنية.»

وبين أن تقول:

«هذيان، خزعبلات، تخاريف، واستخفاف بعقول القراء.»

الأول نقد.

أما الثاني فليس بالضرورة نقدًا.

يمكن أن يكون مجرد انفعال.

والقارئ العربي يستحق نقدًا أكثر احترامًا من ذلك؛ لأنه ليس ساذجًا إلى الدرجة التي يفترضها البعض.

القارئ يعرف أن الرواية خيال.

يعرف أن البطل ليس سوبرمان حقيقيًا.

يعرف أن المؤلف يبالغ أحيانًا.

ومع ذلك يقرأ.

لأنه لا يبحث دائمًا عن الحقيقة العلمية داخل الرواية، بل يبحث عن المتعة، والدهشة، والمغامرة، والسؤال، والحلم.

وربما لهذا السبب تحديدًا ينبغي أن نتوقف عن احتقار الأدب الجماهيري لمجرد أنه جماهيري.

فكم من طفل بدأ القراءة من رواية مغامرات، ثم انتقل بعدها إلى الأدب العالمي، وكتب التاريخ، والعلوم والفلسفة؟

أحيانًا لا تكون الرواية الأولى التي نقرأها هي أفضل ما سنقرأه في حياتنا، لكنها تكون الباب الذي أدخلنا إلى عالم الكتب.

وهذا في حد ذاته إنجاز.

لذلك، حين نختلف مع كاتب كبير مثل نبيل فاروق، فلنختلف معه أدبيًا.

ناقشوا لغته.

حللوا بناءه.

انتقدوا تكرار الحبكات إن وجد.

ناقشوا المبالغة في قدرات شخصياته.

قارنوا أعماله بغيره.

لكن اتركوا للخيال حقه في أن يكون خيالًا، واتركوا للقارئ حقه في أن يحب ما يشاء.

ولنتذكر أيضًا أن الأدب ليس مسابقة بين النقاد والقراء.

ليس مطلوبًا من كل رواية أن تنال إعجاب الأكاديميين حتى تستحق القراءة.

هناك روايات تعيش في الجامعات، وروايات تعيش في المكتبات، وروايات تعيش في ذاكرة الناس.

وأحيانًا تكون ذاكرة القارئ هي المحكمة الأكثر قسوة والأكثر صدقًا.

فالكتاب الذي يُغلق ثم يُنسى قد يكون مكتوبًا بإتقان، أما الكتاب الذي يغلقه القارئ ثم يحمل شيئًا منه معه سنوات طويلة، فقد نجح في الوصول إلى مكان لا تستطيع قواعد النقد وحدها الوصول إليه.

رحم الله نبيل فاروق واسكنه فسيح جناته.

لم يكن كاملًا، ولم يكن فوق النقد، لكنه كان كاتبًا استطاع أن يجعل أجيالًا عربية تحب القصةد، وتنتظر المغامرة، وتتشوق إلى الصفحة التالية.

وهذه وحدها قيمة لا ينبغي أن نستهين بها.

فليس كل ما هو مستحيل في الواقع سخيفًا في الأدب، وليس كل ما هو واقعي في الحياة جديرًا بأن يصبح أدبًا.

المعيار الحقيقي ربما يكون أبسط من كل ذلك:

هل استطاع الكاتب أن يجعلنا نشعر، ونتخيل، ونحلم، ونتذكر؟

إذا كانت الإجابة نعم، فقد ترك أثرًا.

والأثر هو أحد أصدق وجوه الأدب.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية