حين يُساء فهم النبل .. مواجهة كبرياء البساطة في وجه الاستهتار
كتبت /منى منصور السيد
تتألق النفس البشرية في أبهى صورها حين تتوشح بالبساطة واليسار، وتتخذ من المعاملة الحسنة نهجًا ثابتًا لا حيد عنه؛ فالتواضع ليس سوى ثمرة لغرس طيب ينبت في السرائر النقية، ودليل قاطع على سمو الروح وعلو الهمة. غير أن المشهد الإنساني طالما شهد مفارقات عجيبة، حيث يخطئ البعض في تأويل هذه الفضيلة، فيظنون أن لين الجانب دعوة مباحة للتطاول، وأن طلاقة المحيا مرادف للضعف، متوهمين أن كرم الأخلاق يفتح الباب أمام الاستهتار بالقيم ومقام النفوس. إن هذا الخلط المشين بين التواضع المترفع والهشاشة المصطنعة يكشف عن عقول قاصرة لم تدرك بعد المعنى الحقيقي للنبل الإنساني، ولم تعِ أن البساطة الحقيقية إنما تنبع من قوة داخلية وثقة مطلقة بالنفس تغني صاحبها عن التكلف والاستعلاء.
ولقد وضعت الشريعة الغراء المعالم الواضحة لتلك الأخلاق، فلم تكن البساطة يومًا تعني الهوان، ولم يكن حسن التعامل مسوغًا للتفريط في الحقوق والكرامات. وحين نتأمل كتاب الله عز وجل، نجد التوجيه الإلهي الصريح الذي يجمع بين التواضع والترفع عن سفاسف القول في آن واحد، كقوله تعالى في وصف عباد الرحمن: (وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا)، فهذا التعامل الراقي لا يعبر عن ضعف أو استكانة، بل هو سلام الواثق المترفع عن النزول إلى درك السفاهة، وهو حفظ للمقام واستعلاء بالنفس عن مجاراة الجاهلين. فالإنسان العظيم هو من يملك زمام أمره، فيمنح الود بسخاء، ويسكب سلامه على من حوله دون أن يفرط في ذرة واحدة من كرامته، مدركًا أن العزة الحقيقية لله ولرسوله وللمؤمنين، كما أودع الله في محكم تنزيله: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ لَا يَعْلَمُونَ).
وفي السنة النبوية المطهرة، تتسق الأصول الهادية لترسيخ هذا المفهوم الرفيع؛ فمن تواضع لله رفعه الله، ولم يجعله أبدًا عرضة للامتهان أو الاستخفاف. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله"، وهذا الرفع إلهي ومعنوي، يعزز من مكانة صاحب الخلق ويحوطه بهيبة لا تقبل التجاوز. إن النبي صلى الله عليه وسلم، الذي بلغ الغاية في حسن الخلق واللين مع أصحابه والناس أجمعين، كان أشد الناس هيبة وأعظمهم مقامًا حين تنتهك الحدود أو تتجاوز القيم؛ فالمعاملة الحسنة عنده كانت تجسيدًا للقوة الأخلاقية الواعية التي تملك ناصية الحلم والعفو عند المقدرة، لا عجزًا ولا استهتارًا.
وعليه، فإن المعاملة الحسنة في جوهرها هي مرآة لصفاء صاحبها، وليست قطرة ماء في إناء الآخرين تُشرب متى شاءوا وتُهراق متى استخفوا بها؛ فمن أساء تفسير الود أو حاول اتخاذ من اللين سلمًا للتطاول، إنما يعبر عن ضحالة فكره وسوء سريرته، ولا يترك أثرًا في جوهر البساطة سوى مزيد من الإصرار على التمسك بها كخيار لا يساوم عليه. وهنا يتجلى الفارق الجوهري بين التسامح الواعي والتفريط الذميم، فالبساطة الراسخة تحيط نفسها بسياج من الهيبة والوقار، تدرك تمام الإدراك متى تشرق شموس العطاء ومتى تغلق أبواب التجاوز بحزم واقتدار، لتبقى الكرامة مصانة والمكارم شامخة لا تنال منها عواصف الجهل ولا رعونة المستهترين، وليظل الإنسان الكريم مسلكه منارة تضيء طريق النبل دون أن تساوم على هيبتها أو تتنازل عن قد
رها.

تعليقات
إرسال تعليق