في حضرةِ النزيفِ الأخير
كتب/أحمد عبد الله حمبد
أنا راضٍ عن كل شيء... عن هذا الصمت الطويل الذي يلفّ الأيام، عن الضباب الأزرق الذي يغطي أحلامنا، وعن هذا المسلخ الهادئ المُسمّى بالعالم. أنا راضٍ إلى تلك اللحظة التي يُزاح فيها فجأةً نسيجُ النسيان عن روحي؛ اللحظة التي أتذكر فيها ماذا فقدتُ في أودية الماضي المظلمة، وما الذي سأفقدُه أيضاً في غياهب المستقبل. في تلك اللحظة بالذات، ينهار الكون بأكمله فوق رأسي، وأشعر دفعةً واحدةً بالخواء التام وبانعدام الجدوى؛ كقطعة حبلٍ تستفيق فجأةً حول عنقِ مَشنوق، لتُدرك في أعماقها أنها لن تُصبح أبداً قِلادةً زاهيةً تعانق جِيدَ امرأة.
إن التاريخ بأكمله، بكل أمجاده وجرائمه، ليس سوى كذبةٍ كبيرة مُزوَّقة. لينين بكليّته وكل كتبه التي وعدت الأرواح بجنةٍ على الأرض، ستالين وجيوشه المغمورة تحت التراب، هونيكر والأسلاك الشائكة لقوانينه، تشاوشيسكو وخطاباته الخاوية الممتدة، وحتى ديستويفسكي بجراحه الغائرة في رواياته، وكافكا بشباك سوداويّته المظلمة، وكاسترو بكبريائه وكل أدبياته الثورية الفارغة... هؤلاء جميعاً، مجتمعين، لم يمتلكوا من الرقة والإحساس ما يعادل قطرة دمعٍ واحدة في عينِ أمي؛ وهي ترمقُ روحي الذابلة خلف الزجاج البارد للمستشفى، وسط شتاءِ "سليمانية" القارس والقاسي.
كانت أمي امرأةً بسيطة،زارعةً تبذر الضوء في أرحام الأرض، تزرع القمح والبامية لتبقي الحياة على قيد الوجود. لكنني حين أعود إليها بفكري، يعتصر قلبي ولا يطاوعني لساني أن أقول لها: "يا أمي... إن الجراح والندوب الدامية في جسدي وروحي أكثر من أن تُحصى، لستُ بحاجةٍ إلى القمح كي أسدَّ به جوعي... كان يجدر بكِ أن تزرعي لي القطن! القطن فقط! أنا بأشدِّ الحاجة إلى القطن، لأكفكفَ به هذا النزيف المتدفق في أعماقي..."
إن تاريخ البشرية حافلٌ بأشباح الجنرالات والفلاسفة، لكن الحقيقة، والعشق، والرحمة الخالصة، كُثِّفت كلها في عيني أمٍّ تتأمل جراح الكرامة الإنسانية من خلف برودة "سليمانية". وفي هذا العالم المرير، تعجز كل الأيديولوجيات عن تضميد جرحٍ روحيّ واحد... بقدر ما تفعلُ قطعة قطن.

تعليقات
إرسال تعليق