فن الامتلاء بالذات كيف يكون "الاكتفاء" هو الترياق الأول للشفاء والتجدد؟

 

بقلم: د. ولاء عابد


نخطئ حين نظن أن التعافي هو رحلة بحث عن أشخاص يرممون ما انكسر أو ظروف جديدة تعيد إلينا الشغف أو تعويض خارجي لما فقدناه في محطات السير المتعاقبة. 


إن السعي الدائم نحو الخارج لترميم الداخل هو كمن يضع ضمادة على جرح ينزف دون تطهيره مجرد مسكن مؤقت يتبعه انهيار أعمق وأشد إيلاما. 


الحقيقة التي يتغافل عنها الكثيرون هي أن الشفاء لا يبدأ بالحصول على ما ينقصك بل بإدراك أن ما بداخلك كاف لتطبيب جراحك وأن الروح تملك من الموارد الفطرية ما يؤهلها للنهوض مجددا دون انتظار يد خارجية تمتد إليها.


تبدأ هذه الرحلة عندما يدرك الإنسان أن كل محاولة لترميم الذات عبر الاعتماد المفرط على الآخرين أو الركض المنهك خلف استجداء القبول لن تزيد الجراح إلا عمقا ولن تزيد النفس إلا تشتتا. 


فعندما يدخل المرء أي مساحة إنسانية أو اجتماعية وهو يعاني من حرمان داخلي أو شعور بالهشاشة فإنه يتحول تلقائيا إلى البحث عن "منقذ" يحمل عنه عبء وجوده ويمنحه صك مشروعية وجوده. 


هذا الاتكاء المفرط يخلق حالة من التعلق المرضي والارتهان النفسي تجعل قرار المرء وراحته وحتى قيمته الذاتية رهينة لتقلبات الآخرين ورضاهم العابر. 


لكن حين يستشعر الفرد كفايته الذاتية تنقلب المعادلة رأسا على عقب حيث يتوقف عن استجداء الأمان ويبدأ في نسج علاقاته مع من حوله من موقع اختيار واقتدار لا من موقع احتياج وضعف مرسخا حدودا صحية صلبة تحميه من الاستنزاف الفكري والعاطفي وتمنع تكرار الانكسارات.


ولا يقتصر هذا الشفاء على البعد النفسي للفرد بل يمتد ليتغلغل في تفاصيل السعي اليومي وأسلوب إدارة الحياة ونظرة المرء لواقعه بأسره. 


نحن نعيش في عالم يغذي فينا بضجيجه المستمر الشعور الدائم بالنقص ويحثنا على طاحونة لا تتوقف من المقارنات المنهكة والسباق المحموم نحو الكمال الشكلي. 


هنا يبرز الاكتفاء الذاتي كدرع واق يحرر العقل من سجن المقارنة السلبية والتقييم اللحظي فمن يستشعر كفاية ما لديه وما هو عليه يتوقف فورا عن مقارنة بداياته بنهايات الآخرين ويستبدل التوتر الدائم والركض المستمر بحالة من السلام الداخلي والامتنان الحقيقي لما هو متاح. 


هذا الامتلاء النفسي يجعل السعي نحو الأهداف والإنجاز نابعا من شغف أصيل ورغبة حقيقية في النمو والتطور الإنساني لا من خوف من الفشل أو رغبة مضنية في إثبات الذات ونيل الاستحسان أمام العالم.


لتجسيد هذا الاكتفاء واقعا معاشا ملموسا يبدأ الطريق بالجسارة في مصادقة الذات وتقبلها بكافة تقلباتها وظروفها والجلوس مع النفس في صمت واعي وبناء حوار داخلي متزن بدلا من الهروب المستمر نحو صخب المشتتات والحلول السطحية. 


يتطلب الأمر ايضا تدريب الذهن على ممارسة الامتنان اليومي للتفاصيل الصغيرة والتجارب التي تبدو عادية والتوقف التام عن النظر إلى الخارج كمعيار رئيسي للنجاح أو الفشل. 


إن التوقف عن الركض الاستجدائي ووضع حدود قطعية لكل ما يستنزف الطاقة والوقت هما الخطوتان الأساسيتان لاستعادة الكبرياء النفسي وبناء الاستحقاق الذاتي المتين الذي لا يتهدم بأول اختبار.


إن الاكتفاء الذاتي ليس انغلاقا على النفس ولا عزلة عن المجتمع ولا زهدا سلبيا في خيرات الوجود وعلاقاته بل هو موقف قوة واع ينبع من إدراك عميق بأن روحك كائن مكتمل قادر على ترميم ذاته وأن الامتلاء الداخلي هو الذي يمنحك القدرة على العطاء الحقيقي دون انتظار مقابل. 


عندما تتوقف عن استجداء قيمتك من الخارج وتبدأ في الاستثمار في عمقك الداخلي وتطوير أدواتك يتوقف النزيف النفسي وتبدأ عافيتك بالتدفق والفيض من الداخل إلى الخارج... وهناك فقط تتفتح أبواب الشفاء الحقيقي الذي لا يزول وتتجدد الطاقات لبناء مستقبل أكثر ثباتا واتزانا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني