عندما يتحول الوهم إلى جريمة… من يربي جيلًا يطارد السراب؟



كتب /أيمن عدلي


لم تعد القضية مجرد شخص انتحل صفة قاضٍ، أو ارتدى وشاحًا لا يستحقه، أو التقط صورًا داخل قاعة محكمة. فهذه الواقعة، رغم خطورتها القانونية، تفتح بابًا أكبر للسؤال: ماذا يحدث في مجتمعنا؟ وكيف أصبح بعض الشباب مستعدًا للمغامرة بمستقبله من أجل وهم؟


بحسب ما أعلنته الأجهزة الأمنية، فإن المتهم لم يكتفِ بالكذب، بل صنع مشهدًا كاملًا ليبدو حقيقيًا، معتقدًا أن الصورة قد تصنع مكانة، وأن المظهر قد يمنح احترامًا لا يستحقه. وهنا تكمن الأزمة الحقيقية.


لقد أصبحنا نعيش عصرًا يطارد فيه البعض الشهرة بأي ثمن، ويبحث عن “الترند” ولو كان الطريق إليه الكذب أو انتحال الصفات أو مخالفة القانون. لم يعد النجاح عند البعض مرتبطًا بالاجتهاد أو العلم أو العمل، بل بعدد المشاهدات والإعجابات، حتى لو كانت النهاية خلف القضبان.


هذه ليست أزمة فرد، بل أزمة فكر وثقافة، تستحق أن يتوقف أمامها علماء الاجتماع وعلماء النفس والتربويون والإعلاميون. لماذا تزايدت مثل هذه السلوكيات؟ ولماذا أصبح البعض يفضل الطريق المختصر إلى الشهرة على طريق الكفاح الحقيقي؟ وهل تحولت وسائل التواصل الاجتماعي من منصة للتواصل إلى ساحة لصناعة الأوهام؟


أين دور الأسرة التي تغرس في أبنائها قيمة الصدق واحترام القانون؟ وأين المدرسة التي لا ينبغي أن تقتصر رسالتها على المناهج، بل تمتد إلى بناء الشخصية والضمير؟ وأين المسجد والكنيسة في ترسيخ القيم الدينية والأخلاقية التي ترفض الكذب والغش وانتحال صفات الآخرين؟ وأين الإعلام الذي يجب أن يقدم القدوة الحقيقية، لا أن يكرس ثقافة الشهرة السريعة بأي وسيلة؟


إن المجتمع لا يُبنى بالقوانين وحدها، بل بالتربية والوعي والقدوة الحسنة. فكل طفل يرى والديه يحترمان الحقيقة، وكل شاب يتعلم أن النجاح يحتاج إلى جهد، سيكون أقل عرضة للانجراف خلف الوهم.


ورسالتي إلى كل أب وأم: لا تجعلوا أبناءكم يقيسون قيمتهم بعدد المتابعين، بل بما يحققونه من علم وأخلاق وإنجاز. علموهم أن الاحترام يُكتسب بالسلوك، لا بالمظاهر، وأن المكانة الحقيقية يصنعها الاجتهاد، لا الألقاب المزيفة، وأن الكذب قد يحقق شهرة عابرة، لكنه يهدم مستقبلًا كاملًا.


كما أن على مؤسسات المجتمع كافة أن تتكاتف لإعادة الاعتبار لمنظومة القيم، وأن تقدم نماذج ناجحة صنعت مجدها بالعمل لا بالخداع، وبالاجتهاد لا بالاستعراض.


فالأوطان لا تخشاها جرائم النصب وحدها، بل تخشاها أيضًا ثقافة تبرر الكذب، وتُعلي من قيمة المظهر على الجوهر، وتجعل بعض الشباب يعتقد أن الطريق إلى النجاح يبدأ بالخداع.


ويبقى السؤال الذي يجب أن يشغلنا جميعًا: كيف نربي أبناءنا على أن الحقيقة أغلى من الشهرة، وأن الكرامة لا تُشترى بصورة، ولا تُصنع بوهم، ولا تُبنى إلا بالصدق والعمل؟

تعليقات