بين صرخة الميلاد وزفرة الوداع.. ملحمة الطبيب الذي غادر قبل أن يعانق حلمه


كتبت /منى منصور السيد

كنت أتمنى لو أن الحكاية انتهت كما تنتهي القصص السعيدة، بأن يحمل الطبيب الشاب وليدته بين ذراعيه ويمضي بها إلى دفء بيته، لكن مشيئة القدر كانت تخبيء فصلاً آخر أشد قسوة ووجعاً. كان الدكتور عبدالله جمال الجمالة، طبيب المقيم للتخدير والعناية، يقف على عتبة خطوة واحدة تفصله عن نيل زمالته، حاملاً في قلبه إخلاصاً نادرًا ومهنية لا تعرف التهاون. تنقل بين كبرى المستشفيات عابراً دروب الكفاح، إلى أن استقر مؤخراً في مستشفى المنشاوي العام، ليكون قريباً من بيته وقطعة من روحه التي كانت على وشك أن ترى النور. وفي ليلة ميلاد ابنته، حين تعثر العثور على طبيب تخدير، لم يتردد عبدالله لحظة واحدة؛ بل تقدم بثبات ليرتدي عباءة الواجب والإنسانية معاً، وقال بكلمات هادئة: «أنا هنيمها». وبالفعل، تولى تخدير زوجته بيدين يغمرهما الحنان، لتخرج ابنته إلى الدنيا سالمة معافاة وسط فرحة غامرة.

كان حقاً طبيعياً أن يغادر بعدها ليستمتع بأولى لحظات الأبوة، أن يشيل بنته ويقعد بجانبها، لكن نبطشية ثقيلة تمتد لست وثلاثين ساعة تليها قائمة عمليات طويلة كانت تنتظره في ردهات المستشفى. وحين أتاه صوت أخيه ناصحاً ومشفِقاً: «روح يا عبدالله نام واستريح، البيبي بعد كده زنها هيكتر ومش هتعرف تنام»، لم يتردد قلبه المخلص في الرد بمسؤولية مطلقة: «أنام إيه؟ أنا عندي نبطشية 36 ساعة ووراها ليستة عمليات.» عاد إلى عمله، يحمل على عاتقه آلام المرضى ووجعهم، مسابقاً ساعات التعب والإرهاق المتراكم.

انتهت النبطشية الطويلة، وبدأت العمليات تتوالى، وفي اللحظة الأخيرة من آخر حالة على قائمة الانتظار، هوى الجسد المنهك داخل غرفة العمليات التي طالما شهدت بطولاته الصامتة. تسابق أصحابه وزملاؤه في محاولة يائسة لإنعاشه لأكثر من ساعة، لكن إرادة الله كانت أسبق، وصعدت روحه الطاهرة إلى بارئها وهو يؤدي رسالته النبيلة. وأصعب ما في هذه الحكاية الموجعة أن ابنته لم تكن قد تجاوزت يومين من عمرها؛ ففي الوقت الذي كان مفترضاً أن يكون فيه إلى جوارها، يشيلها ويطمن عليها ويعيش معها أبجديات الأبوة الأولى، كان عبدالله يصارع الموت وهو يحاول إنقاذ حياة مريض آخر.

لقد رحل عبدالله، وترك خلفه طفلة صغيرة ستكبر يوماً لتعلم أن أباها كان طبيباً عظيماً قضى حياته ساهراً في خدمة الناس، وأن آخر أنفاسه كانت مبذولة في محراب الإنسانية. لا كلمات في الكون تستطيع أن تعوض أهله عن هذا الفقد المفجع، ولا حروف تخفف وجع أب وأم فقدان ثمرة فؤادهما، أو زوجة فقدت سندها، أو طفلة بدأت دروب الحياة من غير حضن أبيها الدافئ. وحسبنا في هذا الجرح الكبير أن نتضرع جميعاً بالدعاء للدكتور عبدالله جمال الجمالة بالرحمة والمغفرة، وأن نسأل الله أن يغفر له ويرحمه، ويجعل علمه وعمله وخدمته للمرضى في ميزان حسناته، وأن يربط على قلوب أهله وخصوصاً أمه وأبوه وزوجته، وأن يحفظ ابنته ويجعلها سبباً لدخول أبيها الجنة، ليبقى خالداً في ذاكرة الأيام، الطبيب الذي كان بينقذ حياة الناس، فترك الدنيا وهو يؤدي رسالته بكل شرف وأم

انة.

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني