الأنانية... حين يتحوّل الإنسان إلى جزيرةٍ معزولة...

كتبت / أ. ناهدة ذيب عمران

ليست الأنانية أن يحب الإنسان نفسه، فحبُّ الذات فطرةٌ أودعها الله في النفوس لتعينها على البقاء والنجاح، وإنما الأنانية هي أن تصبح الذات مركز الكون، وأن تُختزل الحياة كلها في كلمة واحدة: "أنا".

فالأناني لا يرى الآخرين إلا بقدر ما يحققون له منفعة، ولا يقيس المواقف إلا بميزان مصالحه، فإن وافقته ابتسم، وإن خالفته انقلب ناكرًا للجميل، وكأن العالم خُلق ليخدم رغباته وحده.

والأنانية ليست صفةً عابرة، بل هي مرضٌ خفيٌّ يبدأ صغيرًا ثم يتسلل إلى القلب حتى يعمي البصيرة. فهي تُميت روح العطاء، وتطفئ نور الرحمة، وتزرع بين الناس جدرانًا من الجفاء والبرود. وما أكثر العلاقات التي انهارت، والصداقات التي انقطعت، والأسر التي تفككت، لأن أحد أطرافها لم يعرف سوى الأخذ، ولم يتعلم فنَّ البذل.

والأناني يعيش في وهم الاكتفاء بنفسه، لكنه في الحقيقة أكثر الناس فقرًا؛ لأنه يفتقد أجمل ما في الحياة: محبة القلوب. فالمال قد يشتري خدمة، والمنصب قد يفرض احترامًا، أما المحبة فلا تُنال إلا بالتواضع والإيثار وحسن الخلق.

ولقد علّمنا الإسلام أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يجمعه لنفسه، وإنما بما يقدمه لغيره، وأن خير الناس أنفعهم للناس. فالإيثار خُلُق الأنبياء والصالحين، والأنانية طريقٌ إلى القسوة والعزلة. ومن اعتاد أن يقدم نفسه على الجميع، وجد نفسه يومًا وحيدًا، لأن القلوب تنفر ممن لا يرى فيها إلا وسيلةً لتحقيق رغباته.

والمجتمعات لا تنهض بالأنانيين، وإنما تنهض بأصحاب الرسالة الذين يؤمنون أن نجاح الفرد لا يكتمل إلا بنجاح الجماعة، وأن السعادة الحقيقية لا تتحقق بما نأخذه، بل بما نمنحه من خير، وما نزرعه من أثرٍ طيب في حياة الآخرين.

إن الأنانية قد تمنح صاحبها مكاسب مؤقتة، لكنها تسلبه أثمن النعم: راحة الضمير، وصفاء القلب، ومحبة الناس. أما من جعل العطاء منهجًا، والإيثار خُلُقًا، والتعاون سبيلًا، فإنه يترك وراءه ذكرًا حسنًا لا يزول، وأثرًا يبقى بعد رحيله.

فلنراجع أنفسنا كل يوم، ولنسألها: هل نعيش لأنفسنا فقط، أم نعيش لنكون سببًا في سعادة من حولنا؟ فالحياة أقصر من أن تُستهلك في خدمة "الأنا"، وأجمل من أن تُعاش بلا رحمة، وأعظم من أن تُختزل في مصلحةٍ شخصية.

فالإنسان لا يكبر بما يملك، وإنما يكبر بما يمنح، ولا يُخلَّد بما أخذ، وإنما بما أعطى..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني