لماذا لا يكون في كل جامعة «مجلس تنسيق للنزاهة والحوكمة؟
كتب /د. السيد فتوح السيد حميدة
استاذ التربية الخاصة المساعدكلية التربية جامعة العاصمة
الجامعة ليست مجرد مؤسسة تعليمية تمنح الدرجات العلمية؛ وإنما هي مؤسسة عامة تُدار فيها موارد مالية، وتُتخذ فيها قرارات إدارية وأكاديمية، وتُبرم فيها تعاقدات، وتُدار فيها مشروعات وموازنات وحقوق مالية للطلاب وأعضاء هيئة التدريس والعاملين.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من مكافحة الفساد بعد وقوع المخالفة إلى بناء منظومة مؤسسية تقوم على الوقاية، والرقابة، والشفافية، وتكامل المعلومات، وسرعة اكتشاف مواطن الخلل.
ولذلك يمكن طرح فكرة إنشاء مجلس دائم لتنسيق النزاهة والحوكمة ومكافحة الفساد في الجامعات، ينعقد بصورة دورية، ويعمل في إطار القوانين والاختصاصات المقررة لكل جهة، دون أن يحل محل الأجهزة الرقابية أو جهات التحقيق أو مجالس الجامعة المختصة.
ويضم المجلس ـ بحسب ما تسمح به القوانين والهياكل التنظيمية ـ ممثلين عن الجهات والأجهزة ذات الصلة بالرقابة والنزاهة والشئون القانونية والمالية والإدارية، ومن بينها الجهات الرقابية المختصة، وعضو هيئة تدريس منتخب من كل كلية والشئون القانونية، والجهات المالية، والمراجعة الداخلية، والجهاز المركزي للمحاسبات، والإدارات المختصة بالتفتيش المالي والإداري، مع الاستعانة بالجهات الأمنية المختصة عند وجود مقتضٍ قانوني أو موضوعات تدخل في نطاق اختصاصها.
ماذا يفعل هذا المجلس؟
ليس المطلوب إنشاء جهاز رقابي جديد، ولا تكرار اختصاصات الأجهزة القائمة، وإنما إنشاء آلية تنسيق مؤسسية تساعد على تكوين صورة أكثر شمولًا عن منظومة الإدارة الجامعية.
ومن أهم مهامه المقترحة:
• رصد مؤشرات المخاطر المالية والإدارية داخل الجامعة.
• دراسة الملاحظات المتكررة الواردة من أعمال المراجعة والتفتيش والرقابة.
• تحليل أسباب تكرار المخالفات بدلًا من الاكتفاء برصد نتائجها.
• اقتراح إجراءات وقائية تمنع تضارب المصالح وسوء استغلال السلطة.
• دعم تطبيق مبادئ الشفافية والحوكمة والعدالة في الإجراءات الإدارية والمالية.
• مراجعة مواطن الخطورة في عمليات التعاقد والشراء والصرف وإدارة الموارد، وفقًا للقوانين واللوائح المنظمة.
• وضع مؤشرات إنذار مبكر تساعد الإدارة الجامعية على اكتشاف مواطن الخلل قبل تحولها إلى مخالفات جسيمة.
• رفع التوصيات إلى السلطات والجهات المختصة، مع احترام الاستقلال القانوني لكل جهة واختصاصاتها.
والأهم...
أن يكون عمل هذا المجلس قائمًا على الوقاية لا الاتهام، وعلى البيانات لا الشائعات، وعلى المستندات لا الانطباعات، وعلى المساءلة القانونية لا التشهير بالأشخاص.
فمكافحة الفساد الحقيقي لا تعني البحث عن أشخاص لإدانتهم، وإنما تعني بناء نظام يجعل اكتشاف المخالفة أسرع، ومنعها أسهل، ومحاسبة مرتكبها أكثر وضوحًا، وحماية المال العام أكثر فاعلية.
إن الجامعات المصرية تمتلك بالفعل العديد من آليات الرقابة والمراجعة القانونية والمالية والإدارية، ولكن التحدي الحقيقي قد يكون في تكامل هذه الآليات وتبادل الرؤية المؤسسية في الحدود التي يسمح بها القانون.
ومن هنا يأتي السؤال:
إذا كانت الدولة قد أنشأت أجهزة وهيئات متعددة لحماية المال العام ومكافحة الفساد والرقابة على الأداء، فلماذا لا نُفعّل آلية مؤسسية للتنسيق بينها داخل منظومة التعليم الجامعي، وفقًا للقانون، بحيث تجتمع بصورة دورية لمناقشة مؤشرات المخاطر والحوكمة والوقاية؟
الجامعة التي تحمي المال العام لا تنتظر وقوع المخالفة...
بل تبني نظامًا يمنع وقوعها من الأساس.
الحوكمة ليست ترفًا إداريًا... والنزاهة ليست شعارًا... وحماية المال العام مسؤولية مؤسسية.
نحو جامعة أكثر شفافية
نحو إدارة جامعية أكثر حوكمة
الوقاية من الفساد قبل وقوعه
حماية المال العام

تعليقات
إرسال تعليق