"إضافة الدكتور طه حسين للترجمة"

كتبت /د..رانية يوسف راغب صافي

يُعد القديس جيروم، صاحب لقب «قديس المترجمين»، من أوائل مترجمى الكتاب المقدس إلى اللغة اللاتينية، كما ترجم أجزاء من الإنجيل العبرى إلى اليونانية. وبعد مرور عقود عدة، جاء الاتحاد الدولى للمترجمين، الذى تم تأسيسه فى باريس عام 1953 وأصبح للترجمة حماة يدافعون عنها، وفى كثير من الأحيان كانت هذه الحماية تتحول إلى معارك ثقافية، تشهد صنوفا من القتال بالنقد اللاذع والهجوم الشديد اللهجة بين كبار الأدباء والمثقفين.

ويظل دائمًا من بين أهم ما تركه طه حسين من إرث فكري وثقافي وتنويري، إسهامه الوافر والضخم في الترجمة إلى العربية، وليس فقط الترجمة كنشاط معرفي وإسهام نهضوي مركزي في مشروعه كله، بل أيضا الانشغال بالتخطيط لها على المدى القريب والبعيد، وسنتعرف على بعض جهود العميد في هذه الدائرة بمناسبة قرب الذكرى الخمسين لرحيله التي تحل في الثامن والعشرين من أكتوبر.

ومن يراجع ترجمات طه حسين يلاحظ أن اختياراته للموضوعات التي قام بترجمتها كان لها جاذبية خاصة وبريق لم يخفت حتى مع مرور عشرات الأعوام منذ رحيله وحتى الآن، ممثلة أحد أهم مصادر الاستنارة الفكرية والثقافية والأدبية، وكم كبير من الترجمات التي بدأها بكتاب «الواجب» لجول سيمون الذي اشترك في ترجمته مع محمد رمضان قبل العودة من بعثته إلى فرنسا.

وبعد عودته من فرنسا ترجم طه حسين العديد من الكتب عن اليونانية مباشرة وعن الفرنسية؛ من أشهرها كتاب (نظام الأثينيين) لأرسطو طاليس، و(روح التربية) لجوستاف لوبون، ثم (قصص تمثيلية) لفرنسوا دي كوريل وآخرين. وما بين الثلاثينيات والخمسينيات قدَّم طه حسين في دائرة نشاط الترجمة أيضا مسرحية (أندروماك) لراسين، ومسرحية (أنتيجون) سوفوكليس، و(من الأدب التمثيلي اليوناني)، و(من الأساطير اليونانية) لأندريه جيد، و(زاديج أو القدر) لفولتير، و(أوديب) سوفوكليس.

كل ذلك بموازاة ما كتبه طه حسين عن "ترجمة الآداب الأجنبية"، وضرورة الاتصال بإبداعات الثقافات الأخرى، فقد كتب الكثير من الفصول والمقالات المتفرقة عن الآداب الأجنبية الغربية والشرقية (الفارسية والتركية والأردية)، بالإضافة إلى ما كتبه في الدوريات المختلفة عن كثيرٍ من الكتب المترجمة إلى اللغة العربية.

وتحدث طه حسين باستفاضة عن أهمية وجود مؤسسة خاصة بالترجمة في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» الذي أصدره وكان من نتائج انشغاله بالترجمة تأسيس لجنة التأليف والترجمة والنشر التي كان لها إسهامها المهم في الترجمة. وفي مطالع الخمسينيات من القرن الماضي، كان طه حسين صاحب فكرة تأسيس مشروع (الألف كتاب) الذي نجح في إصدار المئات من الكتب المترجمة عن الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية والإيطالية وغيرها. وعندما تولى رئاسة الإدارة الثقافية لجامعة الدول العربية، عمل على إصدار الأعمال الكاملة لكبار الأدباء العالميين في تاريخ الآداب الإنسانية عبر العصور، واستهل هذا المشروع الطموح بتشكيل لجنة من المترجمين والخبراء على أعلى مستوى لترجمة مسرحيات سوفوكليس، وأرستوفانيس، وشكسبير، وراسين، وكورني، وغيرهم.

وسوف نتوقف قليلًا عند الكتاب الأول الذي ترجمه طه حسين في حياته العملية، وهو كتاب «الواجب» للفيلسوف الفرنسي جول سيمون. وقد كانت ترجمته لهذا الكتاب في مرحلة مبكرة جدًّا من حياته وعقب تعلمه اللغة الفرنسية مباشرة خطوة في مشروع طويل امتد واستمر طيلة حياته، كان جزء من أسبابها في رأيه ينبع من الرغبة في إثبات الذات أمام الكبار من أعلام عصره، لكن الأسباب الأهم والأبقى كانت رغبة عميد الأدب العربي في تأسيس مدرسة جديدة تتبع المناهج العلمية في كل مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والفلسفية والفكرية، وكان هو في حد ذاته مثالًا بارزًا في تأريخه للأدب العربي، ودراسته انطلاقًا من هذا المنظور، واستمر ذلك منحاه في كل ما كتب أو ترجم حتى وفاته.

لقد كان طه حسين في تلك الفترة ينهال بمعاول الفكر وإشعاعات النور وفتح النوافذ المغلقة على كل أشكال الجمود والتحجر والركود الفكري والثقافي، مسلحا بمنهجيته المنظمة الرصينة وأفكاره الجديدة الجريئة، يدفعه أحيانا جموح الشباب ونزقه، لكن في الأغلب كان يحرك كثيرا من المياه الراكدة في الفكر العربي.

لقد أراد المترجمان أن يقدما لوطنيهما في هذه المرحلة التي كان فيها أبناؤه ينهضون بعبء مقاومة الاحتلال البريطاني الرابض على قلب مصر، هذا القبسَ من فكر الاستنارة للمثقفين وعامة القراء مساهمين بذلك في إزاحة الغشاء الذي سيطر على العقول، رابطًا هذا الدافع الوطني الملح بآليات مقاومته والتصدي له وأساليب معارضته، ضمن سياق فكري وثقافي أشمل، في إطار الحركة الوطنية المصرية، التي كان غايتها تحرير الوطن ونهوض الفكر، حيث كانت حركة الترجمة في هذه الفترة -ومدرسة الطهطاوي ومدرسة الألسن من قبل- وكذلك تأسيس الجامعة المصرية الحديثة، وتأليف الأحزاب السياسية، كلها أساليب للحركة الوطنية لمقاومة الوجود الاحتلالي، تستهدف نهوض الفكر السياسي والاجتماعي واستنارته، وتدعم حركة المقاومة الوطنية لتحرير العقل وتحرير الوطن. ولذلك اتجهت حركة الترجمة إلى البحث عن سر تطور الأمم وارتقائها، وعوامل نهضتها واستنارتها، إيمانًا بتواصل الثقافة الإنسانية، وضرورة الاستفادة مما عند الآخرين، واستكناه أسرار وأسباب رقيهم وتقدمهم. وهذا الكتاب «الواجب» يعد اكتشافًا مهمًا ليس فقط لموضوعه وفكرته، بل لأن مترجمه هو طه حسين وزميله محمد رمضان وقد ترجما هذا الكتاب معا عن اللغة الفرنسية، أي قبل أن يسافر طه حسين إلى باريس، ونعرف من سيرته الذاتية في «الأيام» أن طه حسين بدأ يتعلم اللغة الفرنسية في القاهرة بمدرسة مسائية قريبة من حي الأزهر، وهو كتاب في الفلسفة وتحديدًا فلسفة الأخلاق، ولعل هذا يفسر رغبة طه حسين حين سافر في بعثة إلى فرنسا في أن يدرس الفلسفة، لكن السلطان حسين كامل قابل الطلاب المسافرين إلى البعثة، وسأل طه عما يريد أن يدرس هناك فأجاب أنه يريد دراسة الفلسفة، لكن السلطان حبذ له دراسة التاريخ بدلا من الفلسفة، ولم يدرك السلطان أن المسافة ليست بعيدة بين الفلسفة والتاريخ.

وقد اتجه الدكتور طه حسين إلى أن يتعلم الفرنسية، وأن يذلّل ما يعترض طريقه إليها من عقبات، وأن يبذل الوسع وما فوقه، وهو الكفيف، حتى تلين له فيستطيع أن يقرأ نصّاً فرنسيّاً، وأن يدخل درساً في الأدب الفرنسي في الجامعة المصرية فيفهم أشياء وتضيع منه أشياء؛ لكنّه عقد العزم على إتقانها، وعلى عبور البحر إلى فرنسا؛ حتى إذا تمّ له ذلك، وانتظمت دراسته في مونبليه ثم في السوربون، تمكّن من الفرنسية وشرع يتعلّم اللاتينية واليونانية القديمة حتى أحسنهما، وأحسن ما في هذه اللغات الثلاث من أدب وفكر، ورأى أن النهضة الأدبية لا يستقيم أمرها إلا بالرجوع إلى الآداب القديمة، والوقوف عليها، وتذوّق طرائقها في البيان، وتعرّف اتجاهاتها في الفكر.

فكان من دعوته، حين عاد إلى بلده، أن سعى إلى نشر الثقافة اليونانية، وجعلها قريبة المتناول محبّبة للأنفس؛ فكتب عنها، ودرّس في الجامعة أشياء مما يتصل بها، وترجم (نظام الأثينيين)، وقرن عنايته بها عنايته باللاتينية والفرنسية، وكان أن ترجم كتاب (روح التربية) لغوستاف لوبون؛ يريد به أن ينبه على خلل نظام التعليم في مصر، كما أراد لوبون أن ينبه على ما ينبغي أن يتجه إليه التعليم في فرنسا. ومن يقرأ تلك الترجمات يجد لغتها الصافية، وبيانها المشرق بما ينفي عن النص وعثاء النقل من لغة إلى أخرى، ويجعله مندرجاً في سياق الثقافة العربية. لقد كان من مزية طه حسين؛ حسن موازنته بين القديم والجديد، وبين الثقافة العربية والثقافة الغربية؛ بل إن الأصل لديه هو الثقافة العربية، وكل ما يجيء مما سواها فلأجل أن تتغذى به وتمتد آفاقها. وهو لا يني يهيئ سبل التواصل، وييسّر طرق انتقال الآداب والأفكار إلى العربية؛ فقد أنشأ الدراسات اليونانية واللاتينية في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وأعان على إرسال البعثات إلى أوروبا في شتى التخصصات الإنسانية، وأشاع بين أجيال من طلبته حب المعرفة والتزوّد من الآداب الغربية. وعاد إلى الأدب اليوناني فترجم آثار سوفوكلس، وأصدرها في كتاب عنوانه: (من الأدب التمثيلي اليوناني).

فعميد الأدب العربي طه حسين سبق وهاجم المنفلوطى فى مواجهة شهيرة، وقت كان الأول لا يزال طالباً فى الأزهر الشريف، وموضوع الهجوم كان كتاب المنفلوطى «النظرات». فقد ورد هجوم طه حسين من خلال سلسلة من المقالات بعنوان «نظرات فى النظرات»، اتهم فيها المنفلوطى بأنه غير متمكن من اللغة العربية، وبأنه يضع كلمات غير مناسبة فى مواضعها. وبدأ طه حسين فى سرد السببين الرئيسين لهجومه على الرواية المترجمة، للمؤلف الفرنسى «إدموند روستان» الذي قام بتأليف رواية شعرية، ولذلك فإن روعتها نابعة من كونها شعرا فى الأساس، وما تتميز به من البلاغة الفرنسية القوية، مما يصعب معه تحويل رواية شعرية إلى رواية قصصية. ثم يتجه طه حسين لسرد السبب الثانى، والمتمثل فى براعة وروعة الشاعر سيرانو في كلماته ولغته، والتى يرى طه حسين أنه لا يمكن تقديمها بلغة أخرى غير اللغة الفرنسية، فيقول طه حسين: «إذا كان المنفلوطى قد مسخ القصة فحولها من التمثيل الى القصص، واذا كان قد عجز عن أن ننقل الجمال اللفظى، واذا كان قد عجز عن أن ننقل جمال اللهجات التى تشتمل عليها هذه القصة، فما الذى بقى من الكتاب؟».

ووجه رسالته إلى الأديب منصور فهمى، يتوجه له بسؤالين، الأول هو «إلى أي حد يباح للمترجم أن يتصرف فيما يترجمه بالمسخ والتشويه؟»، والثانى «أي الأمرين أجدر، أن تترجم قصة فنية مع القصور المحقق عن نقل أخص ما يميزها من الجمال، أو أن تترك هذه القصة فى لغتها حتى لا تمسخ ولا تشوه؟».

وبدأ منصور فهمى بالإجابة موضحا مناطق الاتفاق بينه وبين طه حسين، ومشيرا إلى ما ذكره سابقا بأن النص الأصلى به من البلاغة والألفاظ الفرنسية التى يصعب معها نقلها بمعناها الدقيق إلى أي لغة أخرى، ثم يحول دفة الحوار إلى ذكر أوجه الاختلاف بينهما من خلال إجاباته على سؤالي طه حسين له، فيقول: «تسألنى يا صديقى أولا إلى أي حد يباح للمترجم أن يتصرف فيما يترجمه بالمسخ والتشويه، وجوابى البسيط أنى لا أبيح قط لمترجم أن يتصرف فيما يترجمه بمسخ أو تشويه، وأما بعد هذا الجواب، فاسمح لى أن أسألك سؤالا من نفس سؤالك وعلى هيئته، فقل لى إلى أي حد تسمى عمل المنفلوطى مسخا وتشويها، وإلى أي حد ترى مسخا وتشويها أن تحول رواية من القالب التمثيلى إلى القالب القصصى عند المحافظة على الأصل؟». وفى إجابة فهمى على السؤال الثانى، وضح بأنه يفضل أن تنقل وتترجم رواية، فيظهر فيها بعض من الجمال الذى ميزها فى نسختها الأصلية، بدلاً من إخفاء أو حجب الجمال كله عن العالم، مضيفا: «خير لنا أن تتكون عندنا فكرة صغيرة من أدب جيد، من أن نجهل هذا الأدب»، ويختم رسالته إلى طه حسين بتوجيه سؤالين له، وختاما يوجه له سؤالا ثانيا عن الحد المباح في تقريظ كاتب جد وكد.

واستكمالاً للمعركة، جاء رد عميد الأدب العربي على الأديب منصور فهمى مجيبا على الأسئلة الموجهة له، فكتب «يخيل إلي أني قد فصلت هذا تفصيلا في المقال السابق، وقلت إن للتمثيل جمالا لا يشتمل عليه القصص، وان مصدر هذا الجمال هو أسلوب الحوار». ويتحول طه حسين إلى مزيد من الشدة، فكتب «اعلم انك قرأت فلسفة القرن الثامن عشر وتأثرت بها، وأن هذه الفلسفة كانت تقوم على التسامح، ولكنى قرأت أدب القرن السابع عشر وأدب العرب وتأثرت بهما، وهما يقومان على التشدد فى الاحتفاظ بأصول الفن وقواعده، وانا كما يقول بوالو أحب ان اسمى القط قطا، وليس من اليسير على ان اسميه اسدا مهما انتفخ»، ويختتم طه حسين مقاله بالهجوم المباشر، فيقول: «لا انكر عليك أن تقرظ من تشاء، وأن تهدى إليه ما شئت من ثناء، ولكنى أحب لك ولقرائك ألا تكون مقالاتك مشجعة للمفسدين على إفسادهم وللأدعياء فى الأدب على أن يسرفوا في ادعائهم».

ولم يصمت الأديب منصور فهمى وسارع بالرد منتقدا وصف حسين للمنفلوطى بأنه من الأدعياء فى الأدب، فيقول: «إنك مهما تشددت في النقد على نحو أدباء القرن السابع عشر فلا تجد ما يبرر لك ذكر المنفلوطى مع الأدعياء، وإنني مهما تساهلت في الفن على نحو أدباء القرن الثامن عشر كما ترى، فلا استكثر وصف الكاتب الأديب عندما أذكر المنفلوطى». وينهى فهمى مقاله بعتاب غاضب إلى طه حسين، فقال: «وأما بعد أيها الأخ فيما إنك تحب أن تسمى القط قطا، وإن انتفخ فلا تسميه أسدا، فدعنى أنا الآخر اسميك باسمك.. اسميك بالوديع، واسميك بالطيب، واسميك الصريح، على أنى عندما أذكر نقدك على المنفلوطى أدعوك المتحامل القاسى».

لقد كان شأن الدكتور طه حسين في الترجمة في طليعة ما يُعنى به من شؤون؛ وكلّما زاول عملاً أحلّ الترجمة محلا رفيعاً منه؛ فلما ولي إدارة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، في جامعة الدول العربية، جعل في صدر أعمال المنظمة ترجمة مسرحيات شكسبير من الإنجليزية إلى العربية ترجمة كاملة أمينة؛ وأُسند العمل إلى خيرة الأدباء ممن هو ضليع من الإنجليزية وأدبها مثل: محمد عوض محمد، ومحمد بدران، ومحمد شفيق غربال، وعبد القادر القط، وسهير القلماوي؛ حتى جاءت الترجمة على أتم وجه من حيث مطابقة الأصل، ومن حيث اللغة العربية التي صُبّت فيها. وكان، أيضاً، وراء ترجمة آثار راسين ونشرها؛ وقد أُُوكل العمل إلى خيرة الأدباء ممن هو ضليع من الفرنسية وأدبها مثل: عبد الحميد الدواخلي، ومصطفى ماهر. وكل ترجمة خرجت من تحت يده فقد خرجت حصيفة محكمة لا تنالها شائبة. لقد قُدّر لطه حسين أن يكون رائداً في ميادين كثيرة؛ كلها يستضيء بمصباح العقل، ويهتدي به.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني