شراع النبوة في تلاطم الأخلاق حين تصبح السيرة دستورًا للروح
كتبت /منى منصور السيد
تشرق الذكرى لا لتسرد تاريخًا انقضى، بل لتفتتح في وعي الأمة سِفرًا من النور لا يغلق، حيث لا تقاس عظمة النبوة بمجرد تتابع الأحداث وتغير الجغرافيا، وإنما بذلك التجلي الأسمى للإنسان الذي اختزلت حياته مكارم الأخلاق حتى صارت نهجًا يمشي بين الناس. لم يكن الرسول الكريم صل الله عليه وسلم يمارس الفضيلة كشعار يتغنى به، ولا كدعوة ينفصل فيها القول عن الفعل، بل كانت الأخلاق في شخصه نسيجًا أصيلًا وبناءً وجوديًا تتضاءل دونه الحسابات الضيقة؛ فجاء الثناء الإلهي المحكم متوجًا هذا المدى الباذخ في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، ليؤكد أن العظمة النبوية هي في جوهرها مدرسة أخلاقية متكاملة تتجاوز حدود الزمان والمكان.
وإذا ما استقرأت البصيرة صفحات السيرة المطهرة، وتحديدا ما وثقته مدونات التاريخ العتيقة كسيرة ابن هشام، يتجلى للمتأمل كيف استبق الوحيُ الرسالةَ بتأسيس رصيد أخلاقي جعل من الشخصية النبوية ملاذًا للقبائل ومحطًا للثقة المطلقة. يبرز موقف إعادة بناء الكعبة ووضع الحجر الأسود كشاهد أدبي وسياسي فريد على عبقرية الحكمة والأمانة؛ فعندما احتدت نفوس الشرفاء وشحذت السيوف نزاعًا على شرف المجد، كان دخوله صلى الله عليه وسلم طوق النجاة الذي استبشرت به قريش وهي تهتف بذات الصوت: "هذا الأمين قد رضينا به". لم يبتغِ النصر لنسبه ولا التميز لذاته، بل بسط رداءه ليتشارك الجميع شرف الرفع، صانعًا من الأزمة سلامًا ومن الشقاق وحدة، ليعلم البشرية أن الأمانة ليست مجرد حفظ للودائع، بل هي قدرة على إدارة الوجود بروح العدل والإصلاح.
ولم تكن تلك الأمانة مجرد حالة عابرة، بل كانت القاعدة الصلبة التي ارتكز عليها جبل الدعوة يوم صعد الصفا ونادى بطون قريش؛ إذ لم يبدأ خطابه بالغيبيات قبل أن يستنطق فيهم شهادة الواقع، مستشهدًا برصيده الممتد في الصدق الذي لم تشبه شائبة طوال عقود. إن الصدق النبوي لم يكن فضيلة تُكتسب في لحظة التجلي، بل كان بنيانًا تراكميًا شيّده الانضباط النفسي والسلوكي عبر السنوات، مما جعل حجته على قومه صاطعة قبل أن ينطق بكلمات السماء. ومن هذه النواحي تتداعى صورة الرحمة النبوية التي بلغت ذروتها في أحلك لحظات التمكين؛ ففي يوم فتح مكة، حيث تخضع الرقاب وتتحين نفوس البشر فرص الانتقام لما سلف من الأذى والتهجير، تجسدت الأخلاق في أبهى صورها حين انحنت الهامة تواضعًا لله على ظهر الناقة، واستحالت أسباب القوة القاهرة إلى طوفان من العفو الشامل، لينطلق صوت النبوة المدوّي: "لا تثريب عليكم اليوم"، معلنًا أن الانتصار الحقيقي ليس في سحق الخصوم، بل في تسامي الروح فوق نداءات الشحناء والانتصار على رغبة البطش.
إن هذا العفو لم يكن ضعفًا ولا مهادنة على حساب الحق، بل كان مسياجًا بصرامة العدل التي لم تسقط حتى في نشوة الفتح؛ فقد أطّر الرسول صل الله عليه وسلم حركة المجتمع بدولة القانون وحقن الدماء، حازمًا ضد الفوضى والانتقام الفردي، ومتواضعًا لم تزدْه السلطة إلا قربًا من جوهر رسالته التي بدأها مستضعَفًا. لقد ظلت الشجاعة لديه ثباتًا على المبدأ في أحلك الساعات، والصبر عنده عملًا موصولًا بالأمل لا استسلامًا للعجز، والوفاء بالعهد ميثاقًا غليظًا لا تخضعه التوازنات السياسية للتقلب. ومن هنا، تخرج ذكرى المولد الشريف من أطر الاحتفال اللفظي والتغني بالصفات المجردة، لتضع الإنسان أمام مرآة ذاته، وتسائله عن مدى تمثله لهذه القيم في سلوكه اليومي؛ فالمحبة الصادقة لا تكتمل بالقصائد، إنما تتحقق حين تغدو أمانة محمد، وصدقه، ورحمته، وعدله، حقيقة حية تنبض بها أعمالنا وتشكل بوصلة وجودنا.

عليه أفضل الصلاة والسلام
ردحذف