قالها الفنان فى لقاء اعلامى و هو ساخر : روحت لدكتور نفسانى قالى زى ما كان ابويا بيقولى : إنت فاكر نفسك مين ؟

 

كتبت /د.. منال عابد

ابتسمت بسخرية سوداء .كم هو مضحك هذا العالم عندما تقيد روحا فى سؤال وجودى تعجيزي ينطقه الطبيب ليداوي مريضا ، أو ينطقه الأب ليردع طفله

  سيناريو مكرر أعيشه في هذه العيادة مئات المرات، لكن أحدث فصل منه كان منذ أيام..

فتاة في عشريناتها. وجه رزين كلوحة زيتية كلاسيكية وكلمات موزونة بميزان الذهب، وذكاء يلمع من عينيها. هي الأولى على دفعتها، حاصدة الشرف في كلية من كليات القمة، ومخطوبة لشاب يراه الجميع لؤلؤة المستقبل من المستحيل أن ترفضه عائلة .

جلست، واضعة يدها على ركبتيها بثبات مصطنع، ثم أطلقت الرصاصة ببرود: أنا مش عايزه أموت انا بس مش عارفه اعيش و ليه أعيش ؟

كانت تشكو من تشكيلة من اضطرابات القلق؛ أفعى متعددة الرؤوس، كلما قطعنا رأس ، تنين الخوف يفجر رأسا آخر. والمدهش؟ أنها وسط هذا المحيط من الذعر الداخلي، عبرت عامها الدراسي الأخير بالامتياز ذاته! لكن الثمن كان نفسا تتآكل، وخوفاً ينزف، وشعورا بالافتراس كلما فكرت في "بيت الزوجية" الذي ينتظرها و مستقبلها الواعد بإستمرارية سباقات النجاح و التميز .. بيت كانت توصفه بكلمة واحدة وهي تعتصر بطنها ألما ( حسه بالقرف وسط حيطانه ): 

كانت هذه الكلمة هي النقلة. انحرف مجرى الجلسات؛ توقفنا عن إطفاء الحرائق الجانبية للسيطرة على الأعراض، وهبطنا معاً إلى المحيط.. إلى البؤرة. ولأول مرة، انهارت القشرة الكريستالية الصلبة، وبكت بتلقائية طفلةٍ في الخامسة.

هي الابنة الكبرى لطبيبين مرموقين.. بيئة لا تسامح فيها مع الضعف ، ولا مساحة للخطأ. منذ بزوغ وعيها، قررت تقوم بدور البطل ، تبتلع مشاعرها، وتلبس قناع البنت العاقلة، المتفوقة، المطيعة. كانت الإسفنجة التي تمتص كل التناقضات لتظل الصورة العائلية ناصعة إجتماعيا ً.

لكن العيون حين تتسع، تنكشف التناقضات المتوارية . سقطت هالة الأم المنقذة للأسرة وفقد منطق الدفاع مصداقيته، وبرزت التناقضات الفكرية و الشعورية فى عنفوانها وبدأ الاغتراب يلتهمها. اكتشفت أنها لم تختر شيئاً قط.. حتى خطيبها الرائع لم يكن سوى خيار أبيها وأمها، عريس على مقاس طموحاتهما هما. ربح كل شئ فى قلب عائلتها لما رفضته ،و خسرت هى حتى مجرد التفهم و التعاطف معها (مش قادرة انكر كل مرة يمشى أحس شعور بيزيد بالقرف تجاهه ، بقرف حتى من ريحته ... كفاية !!مش قادرة اكمل )

.

 شيئاً ما زُحزح من مكانه ولن يعود. في الجلسة الأخيرة، لم تكن تلك الفتاة الخاضعة. كان صوتها مختلفاً، فيه فضول و صحوة التمرد ونبرة البدايات . نظرت إلي وقالت بإصرار يشوبه ضعف انا ما عدت عارفه أنا مين بس مش ح افرط فى حقى إنى أعرف 

خرجِت من الباب، وتركتني وحدي مع صدى السؤال القديم يتردد بين جدران العيادة: "أنت فاكر نفسك مين؟" إفتكرت سخرية ،ليس مجدر سخرية سوداء بل بداية رحلة إستكشاف ستكون أقرب إلى المعركة ...

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني