لحظة العبور.. حين تتحول اللوحة إلى رسالة إنسانية لدعم أطفال التوحد
كتبت /منى منصور السيد
في عالم الفن، تتعدد اللوحات بين ما يمتع العين وما يلامس القلب، غير أن بعض الأعمال تتجاوز حدود الجمال لتغدو رسالة إنسانية نابضة بالأمل، ومن بين هذه الأعمال البارزة تبرز لوحة "لحظة العبور" للفنانة رانيا هاني، التي شاركت بها في معرض "نسمات صيفية" الذي نظمته جماعة بصمة فن بدار الأوبرا المصرية، تحت إشراف كوميسير المعرض الفنانة أماني زهران؛ حيث قدمت الفنانة عملاً فنياً يحمل رؤية إنسانية عميقة يسلط الضوء على عالم أطفال التوحد، مانحة المشاهد فرصة فريدة للتأمل في مشاعرهم وتجربتهم الحسية بمنأى عن الأحكام المسبقة، فاللوحة لا تروي قصة طفل فحسب، بل تفتح نافذة رحبة على عالم يحتاج إلى مزيد من الفهم والاحتواء العميق.
وحين نتأمل لغة الرموز في "لحظة العبور"، نجد أن الفنانة قد اعتمدت على رموز بصرية ذات دلالات نفسية وإنسانية قوية، كان أبرزها قطع البازل التي تُعد رمزاً عالمياً للتوحد، إلا أن استخدامها هنا تجاوز المفهوم التقليدي المعتاد، فجاءت القطع بلون ذهبي دافئ لتؤكد بيقين أن طفل التوحد ليس شخصاً ناقصاً أو مكسوراً، بل يمتلك عالماً متكاملاً من القدرات والمواهب التي تنتظر من يكتشفها ويدعمها، ويبرز الجدار المتشقق إلى جانب ذلك كرمز بليغ للحواجز التي تفصل الطفل عن العالم الخارجي، تلك الحواجز التي قد تصنعها الحساسية المفرطة للمثيرات أو صعوبة التواصل، ومن خلال الفتحة النافذة في الجدار تنطلق لحظة العبور، لحظة الأمل الساطعة التي يصبح فيها التواصل ممكناً متى ما وجد الطفل بيئة آمنة تفيض بالحب والتفهم.
وتتكامل هذه الرموز مع لغة الجسد الناطقة بحوار بلا كلمات، إذ تجسد وضعية الطفلة داخل اللوحة حالة من الحذر والاستكشاف الممزوجين بعناية؛ فالنظرة الموجهة إلى الخارج تحمل مزيجاً من الفضول والقلق، بينما توحي حركة اليدين والقدمين بأن كل خطوة نحو العالم الخارجي تتطلب شجاعة فائقة، وهو ما يؤكد أن الاندماج لا يتحقق بالإجبار، بل بالصبر والاحتواء واحترام خصوصية الطفل وإيقاعه الخاص.
ويتأكد هذا العمق الإنساني عبر التباين بين الرمادي والذهبي، إذ اعتمدت الفنانة على تباين لوني لافت بين درجات الرمادي التي تغلف الجدار واللون الذهبي المتوهج لقطع البازل، وهو تباين يعكس بصدق الفرق الشاسع بين نظرة المجتمع السطحية التي قد ترى الانطواء والغموض، وبين الحقيقة الكامنة داخل الطفل والمتمثلة في عالم غني بالإبداع والمشاعر والقدرات الفريدة، لتتحول اللوحة بأسرها إلى دعوة صريحة لإعادة النظر في الصورة النمطية المرتبطة بالتوحد، وإدراك أن الاختلاف ليس نقصاً بل تنوعاً إنسانياً يستحق الاحترام.
إن رانيا هاني فنانة توظف الفن لخدمة الإنسان، وتكشف مشاركتها عن إيمانها العميق بأن الفن ليس مجرد وسيلة للتعبير الجمالي، بل هو رسالة مجتمعية قادرة على نشر الوعي وإحداث تأثير حقيقي وفعال، فقد نجحت باقتدار في توظيف عناصر التشكيل والرمز واللون لتقدم عملاً يلامس الوجدان ويجعل المشاهد شريكاً أصيلاً في رحلة طفل يبحث عن نافذة نحو العالم.
وتأتي لوحة "لحظة العبور" لتنسجم تماماً مع أهداف حملة "ادعموا أطفال التوحد" التي تدعو إلى نشر الوعي المجتمعي، وتعزيز ثقافة التقبل والدمج، وتقديم الدعم النفسي والتعليمي للأطفال وأسرهم، فأطفال التوحد لا يحتاجون إلى الشفقة، بل إلى الفهم وإلى بيئة تمنحهم فرصة لإظهار قدراتهم، فلكل طفل طريقته الخاصة في التعبير عن نفسه ولكل موهبة من يكتشفها ويحتضنها.
وفي النهاية، تؤكد لوحة "لحظة العبور" أن الجدار الحقيقي ليس ما يحيط بالطفل، بل ما قد يبنيه المجتمع من أحكام خاطئة، وعندما نهدم هذا الجدار بالوعي والمحبة، يصبح العبور ممكناً ويشرق الأمل في عيون أطفال يستحقون أن يجدوا مكانهم الطبيعي في قلب المجتمع.
💙 حملة: ادعموا أطفال التوحد... لأن الاختلاف ليس عائقاً، بل بداية لاكتشاف عالم أكثر إنسانية.


تعليقات
إرسال تعليق