الدكتور سعد جبالي... عالمٌ من قلبا ترك العلم إرثًا

 

كتب /م..أحمد مختار

في قريتنا الحبيبة قلبا، هناك رجال لم تكن قيمتهم في المناصب التي وصلوا إليها فقط، وإنما في الطريق الذي قطعوه حتى وصلوا إليها، وفي العلم والعمل والكفاح الذي تركوا من خلاله أثرًا في حياة الناس. ومن هؤلاء الرجال الذين أعتز بأن أكتب عنهم في سلسلة «أعلام من قريتنا»، الأستاذ الدكتور سعد جبالي عبد الرحيم عبد الإمام، رحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جناته.

كان الدكتور سعد من أبناء قرية قلبا، ونشأ في بيئة بسيطة، لكنه كان طموحًا ومكافحًا، وأدرك منذ وقت مبكر أن العلم هو الطريق الذي يستطيع من خلاله أن يصنع مستقبله ويخدم الناس.

وكانت لي به صلة قرابة؛ فقد كان ابن خالة والدي، وكانت جدتي عمته. ولهذا لم يكن الدكتور سعد بالنسبة لي مجرد أستاذ جامعي أو أحد أبناء قريتنا، وإنما كان رجلًا قريبًا مني، وكنت أزوره، وأراه منذ صغري مثلًا أعلى لي في الكفاح وطلب العلم.

ولم تكن رحلة تعليمه سهلة؛ فقد كان يعمل ويطلب العلم في الوقت نفسه، ويكافح من أجل استكمال دراسته. وكان والده يقف إلى جواره ويؤمن بطموحه، حتى إنه باع له قيراطين من الأرض الزراعية ليساعده على استكمال تعليمه. وكانت هذه الأرض بالنسبة لأسرة بسيطة شيئًا ثمينًا، لكنها تحولت في حياة الابن إلى استثمار في العلم، وربما كان من أعظم ما يمكن أن يقدمه أب لابنه.

ومن قلبا بدأت رحلة طويلة لم تتوقف عند حدود القرية أو مصر، فقد واصل الدكتور سعد طريقه العلمي، وسافر إلى باكستان للتدريس في الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد، حيث عمل أستاذًا دكتورًا في مجال الشريعة الإسلامية والقانون، ثم عاد إلى مصر ليواصل مسيرته الأكاديمية، ويصبح أستاذًا للشريعة الإسلامية والقانون في جامعة أسيوط وجامعة الأزهر.


ومع مرور السنوات، أصبح الدكتور سعد أستاذًا للشريعة الإسلامية بكلية الحقوق – جامعة أسيوط، ثم أستاذًا متفرغًا بقسم الشريعة الإسلامية.

ولم يكن وصوله إلى هذه المكانة ضربة حظ، وإنما كان نتيجة سنوات طويلة من الكفاح والعمل وطلب العلم؛ ولذلك فإن قصة الدكتور سعد ليست قصة أستاذ جامعي فقط، وإنما قصة شاب من قرية مصرية استطاع أن يحول الطموح إلى واقع، وأن يجعل العلم طريقًا لحياته.

ومن الأشياء التي أتذكرها عنه أنه، رغم ما وصل إليه من مكانة علمية، كان كريمًا متواضعًا، محبًا لأهله، قريبًا من الناس، ولم تكن الأستاذية والمكانة الأكاديمية سببًا في أن يبتعد عن أهله وقريته.

وقد اختار أن يسكن على أطراف ملوي، قريبًا من قريته قلبا، فظل قريبًا من المكان الذي نشأ فيه ومن أهله وأقاربه.

وتكشف سجلات كلية الحقوق بجامعة أسيوط عن جانب مهم من نشاطه العلمي؛ فقد شارك في الإشراف على رسائل الدكتوراه ومناقشتها، واهتم بموضوعات تجمع بين الشريعة الإسلامية والقانون، كما تناولت أبحاثه قضايا الجريمة والعقوبة والعوامل المؤثرة فيهما.

ومن أجمل ما في قصته أن والده، عندما باع له قيراطين من الأرض ليساعده على التعليم، ربما لم يكن يتخيل أن هذه الأرض الصغيرة ستساهم في صناعة عالم يحمل اسم قريته إلى الجامعة، وأن الابن الذي ساعده في بداية الطريق سيصبح أستاذًا يعلّم أجيالًا من الطلاب والباحثين.

وأنا شخصيًا، عندما أتذكر الدكتور سعد، لا أتذكر فقط الأستاذ الجامعي صاحب المكانة العلمية، وإنما أتذكر الإنسان الذي كنت أراه قدوة في الكفاح والعلم، وأتذكر تواضعه وكرمه وحبه لأهله.


ولم ينقطع الخير في أسرته برحيله؛ فما زال أبناؤه الأستاذ أحمد سعد، ومحمد، ومصطفى، ومحمود، من أبناء الأسرة الذين نعرف عنهم الأدب والاحترام وحسن التعامل، وهي سيرة طيبة أعتز بها، وأرى فيها امتدادًا جميلًا لما عرفناه عن والدهم رحمه الله.


وفي 17 أبريل 2017، نعت أسرة كلية الحقوق بجامعة أسيوط الأستاذ الدكتور سعد جبالي عبد الرحيم عبد الإمام، وذكرت في نعيها الرسمي أنه الأستاذ المتفرغ بقسم الشريعة الإسلامية، داعيةً له بالرحمة والمغفرة.

رحم الله الدكتور سعد جبالي؛ فقد ترك لنا درسًا قبل أن يترك علمًا: أن البداية المتواضعة لا تمنع الإنسان من الوصول، وأن من يملك الإرادة ويطلب العلم ويكافح من أجله يستطيع أن يصنع لنفسه مكانًا بين الكبار.

وتبقى قصة القيراطين اللذين باعهما والده من أجله واحدة من أجمل صور التضحية من أجل التعليم؛ فالأرض ذهبت، لكن ثمرتها بقيت علمًا وأستاذًا وأجيالًا تعلمت على يديه.

رحم الله الأستاذ الدكتور سعد جبالي عبد الرحيم عبد الإمام، ورحم الله والده الذي آمن بابنه وساعده في بداية الطريق، ورحم الله جميع أبناء قلبا الذين رحلوا وتركوا وراءهم علمًا أو عملًا أو موقفًا يستحق أن تتناقله الأجيال.

فالإنسان قد يترك الأرض والمال والمنصب، لكنه إذا ترك علمًا نافعًا وسيرة طيبة، فإنه لا يرحل تمامًا.

وهذه هي الحلقة الرابعة من سلسلة «أعلام من قريتنا»، نحاول من خلالها أن نحفظ للأجيال القادمة سير رجال من قلبا رحلوا عن الدنيا، لكن آثارهم بقيت بين الناس.


تعليقات

  1. الله يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جناته

    ردحذف
  2. تسلمي يا دكتورة مني. علي النشر. والمونتاج العالي

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية