حكمةٌ صُيغت من نورٍ وطين.. نورهان العباسي تُجسّد أعمق الرموز في صرحٍ نحتي ميداني
كتبت /منى منصور السيد
في عالم الفن التشكيلي، لا تُقاس الأعمال الفنية بجمالياتها الظاهرية فحسب، بل بمدى عمق الفكرة وقدرتها على تجسيد المعاني الإنسانية السامية عبر وجدان مبدعيها. وقد تجلى ذلك في التجربة الاستثنائية للطفلة التي كبر حلمها معها، الفنانة الشابة نورهان العباسي، التي خاضت رحلة شغف طويلة وممتدة منذ صغرها للالتحاق بكلية الفنون الجميلة. وعبر سنوات دراستها، لم تكتفِ نورهان بالحصول على العلم الأكاديمي، بل آمنت بأن الفن بحر واسع وعميق يتطلب سعياً وتطويراً مستمراً؛ فحرصت من اليوم الأول على حضور الورش الفنية، وتغذية بصيرتها بالدراسة والتطوير الذاتي لمواكبة صعوبة الكلية وطبيعتها العملية المرهقة.
توجت نورهان طموحها بالتحاقها بقسم النحت الميداني—أحد أعمق وأشمل أقسام الكلية—والذي أتاح لها دراسة الديكور والتصوير والجرافيك إلى جانب مادة النحت الرئيسية. وفي مشروع تخرجها، اختارت أن تتحدى نفسها بتجسيد رمزيّة "الحكمة"، تلك الفكرة الثقيلة والمفاهيمية التي تتطلب نضجاً إنسانياً وفنياً. خاضت نورهان رحلة بحث وتصميم استغرقت عاماً كاملاً بفرعيه؛ كرست الفصل الدراسي الأول للتفكير وإعداد المجسمات التمهيدية للوصول للتكوين الأمثل، مستلهمة فلسفة الاحتواء والموعظة من الإرث الإنساني والقرآني في قصة لقمان الحكيم.
يتألف العمل من تكوين معماري وبنائي متدرج المستويات يمنح المشاهد شعوراً بالهيبة؛ إذ يرتكز في مستواه السفلي على كتب متراكمة تشير إلى التراكم المعرفي والثقل الإنساني الذي تُبنى عليه الحكمة. ويمتد التكوين رأسياً نحو منتصف الكتلة ليتشكل في صورة كتاب ضخم مفتوح تتشعب منه كفتا ميزان، محققاً توازناً بين الكتلة والفراغ، وينقل رمزية العدل باعتباره ركناً أساسياً لا تنفك عنه الحكمة.
وفي قمة التكوين، يجلس الحكيم ليكون مركز الثقل البصري، ممسكاً بيده اليمنى قنديلاً متوهجاً يرمز لإنارة الطريق وتبديد الظلمات، بينما يمسك بيده الأخرى كتاباً يقرأ فيه، في إشارة للشغف المستمر بالعلم. وتتجسد براعة نورهان الإنسانية قبل الفنية في إحياء هذا البورتريه؛ حيث حفرت تجاعيد مسنّ ذي خبرة واسعة معتمدة على السمة العتيقة (Antique Finish) لأسطح التمثال وملمس الطين وخشنة طيات الملابس، ما منح المنحوتة طابعاً عربياً أصيلاً يزاوج بين وقار التاريخ ودفء المشاعر العائلية؛ إذ استحضرت نورهان في هذا الرمز صورة والدها الذي يمثل الحكمة والنور في حياتها، واستلهمت الملامح العربية الشامخة من وجه عمها حكيم العائلة.
تُوِّج هذا العطاء الحسي والفني الصادق لنورهان العباسي بحصول مشروعها على تقدير امتياز والمركز الأول على الدفعة، إلى جانب القرار التقديري بصبه ونقله لتزيين أحد الميادين العامة، ليبقى صرحاً شاهداً على حلم طفلة كبر معها، وصاغت من خلاله أنبل معاني الحكمة والوفاء.

تعليقات
إرسال تعليق