دفءُ الأصدقاء… حين يخذلك الأقربون “ليس كلُّ قريبٍ حبيبًا… وليس كلُّ بعيدٍ غريبًا.” عجبًا لهذه الحياة…
كتب /معالى اللواء سامى محمود دنيا
لقد علَّمتني أن الأخوَّة لا تُقاس بالقرابة وحدها، وأن القرب ليس دائمًا عنوان المودة، وأن الدم ليس وحده شريان الحياة، بل إن شريانها الحقيقي قلبٌ يفيض رحمةً ووفاءً. فقد يجمعنا النسب، وتفرقنا المواقف، وقد تباعد بيننا المسافات، وتجمعنا الأرواح.
ليست كلُّ القلوب التي تسكن البيوت مأوى، وليست كلُّ الأيدي التي تمتدُّ إلينا تحمل دفئًا. فقد نظن أن صلة الرحم وحدها كفيلة بأن تصنع الوفاء، ثم نفاجأ بأن المودة لا تُورَّث، وأن الرحمة لا تُكتب في شجرة العائلة، وإنما تُزرع في القلوب التي عمرها الإيمان، وسقاها الصدق، وربَّاها الإخلاص.
كم من أخٍ لم تلده أمي، كان لي عند الشدائد أخًا وسندًا، سبقني إلى السؤال قبل أن أطلب، وحمل همِّي قبل أن أبوح به، وتألم لألمي كأنه بعض ألمه، وفرح لفرحي كأن النعمة قد نزلت عليه هو. لم تجمعني به صلة نسب، ولكن جمعَتْنا مواقف لا تُنسى، وصدقٌ لا يتبدل، ووفاءٌ لا يعرف المصالح.
وكم من صديقٍ وقف بجوارك في ساعةٍ تخلّى فيها الجميع، فكان لك وطنًا حين أوحشتك الطرق، وسندًا كُتب اسمه في صحيفة المروءة، لا في سجلات الأنساب.
وفي المقابل… كم من قريبٍ حسبته حصنك المنيع، فإذا به أول من يهدم جدار الثقة، وأول من يخذل القلب عند الحاجة، وأول من يغلق الباب في وجه من كان ينتظر منه كلمةً طيبة أو لمسة وفاء.
وهنا تذكرت أعظم قصةٍ خلدها القرآن الكريم…
يوسف عليه السلام… وإخوته.
كانوا الأقرب إليه نسبًا، ولكنهم كانوا إلى الجُبِّ أقرب، ولم يشفع له بينهم دمٌ ولا أخوَّة، لأن الحسد إذا سكن القلوب أعمى البصائر، وأطفأ نور الرحمة.
وهنا أيقنت أن الرحم قد يجمع الأجساد… أما الأرواح فلا يجمعها إلا الله.
قد يجتمع الدم… وتفترق الأرواح.
وقد تتباعد الأنساب… وتلتقي القلوب عند باب رحمة الرزاق.
لقد رأيت في حياتي قلوبًا رقَّت حتى وسعت الناس جميعًا حنانًا ورحمة، ورأيت قلوبًا تحجرت حتى ضاقت بأقرب الناس إليها.
وما أشد الوجع حين تنتظر الدفء من ذوي القربى، فلا تجد إلا البرود، ثم يفاجئك الله بقلوبٍ لا تربطك بها أنساب، لكنها تربطك بأسمى معاني الإنسانية، وأصدق معاني الإيمان، وأجمل صور الوفاء.
ورأيت رجالًا ونساءً لا تربطني بهم صلة دم، لكنهم إذا غبت سألوا، وإذا مرضت دعوا، وإذا تعثرت أسندوا، وإذا نجحت فرحوا بصدق، فعلمت أن الله إذا أغلق بابًا فتح أبوابًا، وإذا حرمك دفءًا من جهة، عوضك عنه من جهة أخرى.
وليس عبثًا أن يلفت القرآن الكريم أنظارنا إلى منزلة الصديق الصادق، حتى إن أهل النار، وهم في أشد لحظات الحسرة والندم، لم يتحسروا على مالٍ ضاع، ولا على سلطانٍ زال، وإنما قالوا كما أخبر الله سبحانه وتعالى:
﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ صدق الله العظيم.
[سورة الشعراء: 100-101]
إنها شهادة ربانية بأن الصديق الوفي نعمةٌ من أجلِّ نعم الله، وأن وجود إنسانٍ يصدقك الود، ويحمل همَّك، ويجبر كسرك، ويدعو لك في ظهر الغيب، هو رزقٌ لا يملكه إلا أصحاب القلوب الصادقة. فالصديق الحميم ليس من يشاركك أيام الرخاء فقط، بل من يبقى إلى جوارك حين تنفضُّ الجموع، ويثبت عندما تتغير الوجوه، ويكون لك أهلًا حين يقسو عليك بعض الأهل.
ومع ذلك، تبقى صلة الرحم فريضةً أمر الله بها، لا يسقطها تقصير الناس، ولا تبررها قسوة القلوب، فالمؤمن يصل رحمه ابتغاء مرضاة الله، لا انتظارًا للمقابل. أما المحبة الصادقة، فهي رزقٌ من الله، يمنحه لمن شاء من عباده، فتنعقد بين الأرواح برباط الإيمان والوفاء، لا برباط الدم وحده.
فالحمد لله على كل قلبٍ أحبَّ لله، وسأل عنا، وجبر خواطرنا، ودعا لنا في ظهر الغيب، ولم يكن بيننا وبينه نسب، وإنما جمعت بيننا أخوة الإيمان، وصدق المروءة، ونقاء السريرة.
اللهم ارزقنا قلوبًا تعرف الوفاء، وأصدقاء إذا ضاقت بنا الدنيا كانوا لنا وطنًا، وإذا انكسرت خواطرنا كانوا لنا جبرًا، وإذا غبنا ذكرونا بخير، وإذا حضرنا أحاطونا بصدق الود، ولا تجعل في قلوبنا غلًّا للذين آمنوا، واجمعنا بمن أحببناك فيهم في الدنيا على طاعتك، وفي الآخرة في جنات النعيم.
ويبقى اليقين الذي لا يتغير…
قد يجتمع الدم… وتفترق الأرواح.
وقد تتباعد الأنساب… ولكن القلوب الصادقة تلتقي عند باب رحمة الرزاق.
فالإنسان لا يُقاس بمن يحمل اسمه، وإنما بمن يحمل همَّه… ولا تُعرف قيمة الرجال بكثرة الأقارب، وإنما بعظمة المواقف، وصدق الود، ونبل الوفاء.
وصلّوا على الحبيب المصطفى ﷺ. بحبكم في الله…

تعليقات
إرسال تعليق