حين يغيّر الهوى أسماء الأشياء


بقلم: حسام الدين بريطل

ليست الحقيقة دائمًا هي التي تتغيّر؛ أحيانًا الذي يتغيّر هو الاسم الذي نمنحه لها.


فالإنسان لا يرى الأشياء بعينيه وحدهما، بل يراها أيضًا من خلال قلبه ومصلحته وموقفه من أصحابها. ولهذا قد يكون الفعل واحدًا، ثم تتعدد أوصافه بتعدد القائلين به: ما نسميه عند من نحب «حرصًا» قد نسميه عند من نكره «تدخلًا»، وما نعدّه في صديقنا «ثباتًا» قد نعدّه في خصمنا «عنادًا». لا لأن الفعل تبدّل، وإنما لأن المشاعر سبقت الحكم، ثم جاءت اللغة لتبحث له عن اسم يوافقه.


وهنا تكمن إحدى أخطر حيل الهوى: أنه لا يطلب منا دائمًا أن نكذب، بل يكفيه أن نختار من الحقيقة الاسم الذي يرضينا.


ولعل قصة يوسف عليه السلام تقدم مشهدًا بالغ الدلالة على هذه الطبيعة البشرية.


حين أراد إخوة يوسف من أبيهم أن يرسله معهم، قالوا:


﴿فَأَرْسِلْهُ مَعَنَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.


كان يوسف في خطابهم أخًا ينبغي حفظه، وكانوا هم في صورة الحريصين عليه.


ثم تغيرت الظروف، وتغيرت اللغة.


وحين وقعت حادثة السرقة، قالوا لأبيهم:


﴿يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾.


تأمل العبارة: «ابنك».


لم تتغير حقيقة القرابة، ولم يتغير اسم يوسف، وإنما تغيرت المسافة النفسية التي تفصل المتكلم عنه؛ فتغير الاسم الذي اختاره لخطابه.


وهذا بالضبط ما يفعله الهوى حين يتسلل إلى أحكامنا: يغيّر المسافة بيننا وبين الأشياء، ثم يغيّر أسماءها في ألسنتنا.


نحن نفعل ذلك كل يوم، وربما من غير أن نشعر.


إذا أخطأ من نحب، قلنا: «زلة».


وإذا أخطأ من نختلف معه، قلنا: «هذا طبعه».


إذا دافع الأول عن رأيه، رأينا في ذلك ثقة وثباتًا.


وإذا دافع الثاني عن رأيه، رأينا فيه غرورًا وعنَادًا.


إذا اعتذر من نحب، قلنا: «شجاع يعترف بخطئه».


وإذا اعتذر من لا نحب، قلنا: «يحاول استدرار التعاطف».


الفعل واحد، لكن القاموس الذي نصفه به يتغير.


وقد يبدأ الظلم من هنا.


فالقسوة قد تصبح «صراحة» حين تصدر منا، و«وقاحة» حين تصدر من غيرنا. والانحياز قد نسميه «وفاءً»، بينما نعدّ انحياز الآخرين «تعصبًا». والتدخل في حياة الناس قد نمنحه اسم «النصيحة» حين يكون من طرفنا، ثم نسميه «تطفلًا» حين يأتي من طرف آخر.


والأخطر أننا قد ننجح بهذه الطريقة في الحفاظ على صورتنا الأخلاقية أمام أنفسنا؛ يكفي أن نغيّر الاسم.


لكن الأمر يصبح أكثر حساسية حين يتعلق بأقدار الله.


يمرض من نحب، فنقول: لعلها ابتلاء، ولعل الله يرفع بها درجاته، ولعل وراءها حكمة لا نعلمها.


ويمرض من لا نحب، فنستعجل أحيانًا فنقول: هذا جزاء أفعاله، وهذه نتيجة ما صنع، وربما سميناه عقوبة.


وهنا ينبغي أن نتوقف.


من أين لنا أن نعلم الغيب؟


ومن أين لنا أن نجزم بحقيقة ما أراده الله بعبد من عباده؟


قد يكون البلاء رحمة لا نفهمها، وقد تكون النعمة اختبارًا لا ننتبه إليه. أما نحن، فلا نملك إلا ظاهر الأشياء، ولا نملك مفاتيح الحكمة الإلهية حتى ننصّب أنفسنا قضاة على أقدار الناس.


ومن الأدب مع الله أن نقول في موضع لا نعلمه: الله أعلم.


فالحب لا يمنحنا علم الغيب، والكراهية لا تمنحنا حق الإدانة.


وهنا يظهر الفرق بين الشعور والحكم.


قد أحب إنسانًا، وهذا شعور صادق؛ لكن صدق حبي لا يعني أن كل ما يفعله صواب.


وقد أكره إنسانًا، وهذا شعور حقيقي؛ لكن صدق كراهيتي لا يعني أن كل ما يفعله خطأ.


المشكلة تبدأ حين نسمح لمشاعرنا أن تتولى مهمة الحقيقة.


فالعدل لا يعني أن نتخلص من الحب والكراهية، وإنما يعني ألا نجعلهما ميزانًا نحاكم به الآخرين.


أن ترى خطأ من تحب فتقول: «هذا خطأ».


وأن ترى صواب من تختلف معه فتقول: «هذا صواب».


وأن تعترف بفضل خصمك حين يستحق الاعتراف، وأن تعترف بخطئك حين يكون الخطأ منك.


ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس فقط:


هل أنا على حق؟


بل سؤال أشد قسوة:


هل كنت سأحكم بالحكم نفسه لو تبدلت الأسماء؟


لو كان الذي أخطأ صديقي، هل كنت سأغضب بالطريقة نفسها؟


ولو كان الذي أصاب خصمي، هل كنت سأعترف له بالصواب؟


ولو كانت المصيبة التي نزلت بإنسان أحبه قد نزلت بإنسان أختلف معه، هل كنت سأفسرها بالطريقة نفسها؟


هذا السؤال وحده قادر على كشف مقدار الهوى الذي يدخل أحكامنا دون استئذان.


فنحن نطلب من الآخرين أن يعرفوا ظروفنا قبل أن يحكموا علينا، بينما نحكم عليهم أحيانًا من مشهد واحد.


نعرف خوفنا الذي جعلنا نتردد، وتعبنا الذي جعلنا نقسو، ونوايانا التي جعلتنا نتصرف كما فعلنا؛ ثم لا نمنح الآخرين الحق نفسه في أن تكون وراء أفعالهم أسباب لا نعرفها.


نحاكم أنفسنا من الداخل، ونحاكم غيرنا من الخارج.


وربما كان هذا من أكثر وجوه الظلم خفاءً.


ليس كل ظلم أن تقول باطلًا؛ قد يكون الظلم أن تقول حقيقة مبتورة، أو أن تختار من الحقيقة ما يخدم موقفك، أو أن تمنح الفعل اسمًا جميلًا حين يصدر ممن تحب، ثم تمنحه اسمًا قاسيًا حين يصدر ممن تكره.


ولهذا فإن الإنصاف يحتاج إلى أكثر من الصدق.


قد يكون الإنسان صادقًا فيما يقول، لكنه غير منصف فيما يختار أن يقوله. وقد لا يكذب، لكنه يحذف من القصة ما يغيّر الحكم.


فالصدق أن تقول ما تعرف، أما العدل فأن تعرف أيضًا حدود ما تعرف.


ومن هنا يصبح قول «لا أعلم» أحيانًا أكثر أخلاقية من عشرات الأحكام الجازمة.


وحين ننظر إلى الناس بهذه العين، نكتشف أن كثيرًا من خصوماتنا لم تكن مع أفعالهم بقدر ما كانت مع الصورة التي رسمناها عنهم.


إذا ثبت في أذهاننا أن شخصًا سيئ، أصبحت حسناته استثناءً، وأصبحت أخطاؤه أدلة جديدة.


وإذا أحببنا شخصًا، أصبحت حسناته امتدادًا طبيعيًا لشخصيته، وأصبحت أخطاؤه مجرد ظروف عابرة.


وهكذا لا نعود نرى الإنسان كما هو، بل نرى النسخة التي صنعناها منه داخل أذهاننا.


وهنا تبلغ المسألة ذروتها:


الهوى لا يكتفي بأن يجعلنا نرى ما نريد؛ بل يجعلنا نعيد تسمية ما نرى حتى يصبح موافقًا لما نريد.


ولهذا قد يحتاج الإنسان إلى أن يشك في تفسيره قبل أن يشك في الحدث، وأن يراجع مشاعره قبل أن يصدر حكمه.


ليس المطلوب أن يكون الإنسان بلا مشاعر، وإنما أن يعرف أن مشاعره ليست محكمة.


أن يحب، دون أن يبرر الظلم.


وأن يكره، دون أن يظلم.


وأن يختلف، دون أن يجرد الآخر من إنسانيته.


وأن يرى المصيبة، فيرحم قبل أن يفسر.


وأن يرى الخطأ، فينصف قبل أن يدين.


فقد تتغير الأسماء بتغير المصالح، وقد تتبدل اللغة بتبدل القلوب، لكن الحقيقة لا تتغير لأننا غيرنا اسمها.


والإنسان لا يبلغ تمام العدل حين يصبح بلا هوى، وإنما حين لا يسمح لهواه أن يتكلم باسم الحقيقة.


فإذا أخطأ من نحب، لم نبحث له عن اسم يبرئه.


وإذا أصاب من نكره، لم نبحث له عن اسم ينتقص منه.


وإذا أصابت إنسانًا مصيبة، لم ننصّب أنفسنا مترجمين لقضاء الله.


وإذا اختلفنا مع أحد، لم نجعل اختلافنا معه دليلًا على بطلانه.


لأن أعظم ما يمكن أن يفعله الإنسان حين يقف أمام الحقيقة أن يتركها تحتفظ باسمها، حتى لو لم يكن ذلك الاسم في مصلحته.


فلا تغيّروا أسماء الأشياء كي تبقى مواقفكم صحيحة؛ غيّروا مواقفكم إذا كشفت لكم الحقيقة أنها كانت خاطئة.


هناك فقط يتحرر الحكم من الهوى، ويصبح العدل عدلًا؛ لا لأننا أحببنا من أمامنا، ولا لأننا كرهناه، وإنما لأننا، ولو للحظة، أحببنا الحقيقة أكثر من أنفسنا.


 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية