تعليق وتقدير على قراءة اللواء م. سامي دنيا للمشهد الإقليمي والدولي
مستشار / رامزحافظ
مع خالص الشكر والتقدير لسيادة اللواء م. سامي دنيا على هذا الطرح الصريح والجريء، الذي يحاول قراءة المشهد من زاوية أوسع من مجرد أخبار المعارك والصواريخ والبيانات السياسية؛ زاوية مصالح الدول، وقدرتها الذاتية، وحساباتها الاقتصادية والعسكرية، وما تريده من المستقبل.
وأرى أن أهم ما في هذا الطرح أنه يضع أمام القارئ مجموعة من الملفات المترابطة، وليس أحداثًا منفصلة.
أولًا: الضغوط الإقليمية وتعدد جبهات الصراع
المشهد الإقليمي بالفعل شديد التعقيد، ومصر تتحرك وسط شبكة من المصالح والصراعات والضغوط المتداخلة. لكن الأهم من إطلاق أوصاف حادة على هذا الطرف أو ذاك هو إدراك أن الدول لا تتحرك بدافع الصداقة وحدها، وإنما وفق مصالحها وأمنها القومي وحساباتها الاستراتيجية.
ومن هنا فإن مصر مطالبة دائمًا بأن تفرق بين الصديق والحليف والشريك والمنافس، وأن تضع مصلحتها الوطنية فوق أي حساب آخر.
ثانيًا: فكرة "الحرب من الخارج والضغط من الداخل"
هذه نقطة تستحق التأمل؛ فالحروب الحديثة لم تعد عسكرية فقط، وإنما أصبحت تشمل الاقتصاد والإعلام والطاقة والتجارة والمعلومات والضغط السياسي والنفسي.
ولذلك فإن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تملكه من صواريخ وطائرات، وإنما أيضًا بقدرتها على تحمل الضغوط وعدم الانهيار من الداخل.
ثالثًا: التعاون المصري التركي
الإشارة إلى زيارة وزير الدفاع المصري لتركيا تحمل دلالة مهمة؛ فالعلاقات بين الدول الكبرى لا تُبنى على الخصومة التاريخية وحدها، ولا على الصداقة الدائمة وحدها، وإنما على المصالح المتبادلة وإدارة الاختلافات بواقعية.
والأهم ألا ننظر إلى التعاون المصري التركي باعتباره مجرد صورة أو لقاء سياسي، بل نسأل:
ماذا ستكسب مصر؟
وما الذي يمكن أن تحصل عليه من خبرات وصناعات وتكنولوجيا؟
وكيف يتحول التعاون إلى قدرة مصرية مستدامة؟
رابعًا: نقل التكنولوجيا أهم من شراء المنتج النهائي
وهنا أعتقد أن المقال يلمس نقطة جوهرية جدًا.
الدولة التي تشتري المنتج النهائي تملك السلاح، أما الدولة التي تمتلك التكنولوجيا وخط الإنتاج والخبرة البشرية فتملك القدرة على إنتاج السلاح وتطويره واستدامته.
وهذا هو الفارق بين أن تكون مستهلكًا للتكنولوجيا، وأن تصبح شريكًا في صناعتها.
ومن ثم فإن أي تعاون دولي يفضي إلى تصنيع محلي حقيقي، ونقل معرفة، وتدريب كوادر، وتوطين صناعة، هو استثمار في الأمن القومي وليس مجرد صفقة تسليح.
خامسًا: الأمثلة التي أوردها المقال عن فرنسا وإيطاليا وألمانيا وكوريا وغيرها
المغزى من هذه الأمثلة ليس أسماء الأسلحة في حد ذاتها، وإنما فلسفة التعامل معها:
لا تشترِ فقط… تعلّم كيف تصنع.
ولا تستورد فقط… حاول أن تنتج.
ولا تجعل قطع الغيار والخبرة الأجنبية نقطة ضعف دائمة.
وهذه قاعدة تنطبق على السلاح كما تنطبق على السيارات والطائرات والأجهزة والمعدات المدنية.
سادسًا: المسيرات والصواريخ وتغير شكل الحرب
الحروب الحديثة أثبتت أن التكنولوجيا غيّرت قواعد الاشتباك بصورة كبيرة.
المسيّرات والصواريخ والأنظمة الإلكترونية والحرب السيبرانية والذكاء الاصطناعي والاستطلاع والأقمار الصناعية أصبحت عناصر شديدة الأهمية.
لكن ذلك لا يعني انتهاء دور الدبابات والطائرات والسفن والقوات البرية؛ فالحرب الحديثة أصبحت منظومة متكاملة، والقوة الحقيقية هي امتلاك مزيج متوازن من هذه القدرات.
سابعًا: القدرة على التحول السريع في خطوط الإنتاج
وهذه من أهم الأفكار التي تستحق التوقف عندها.
الصناعة المدنية القوية يمكن أن تكون، في الدول التي تمتلك قاعدة صناعية متقدمة، جزءًا من القدرة الاستراتيجية للدولة.
لكن التحول من الإنتاج المدني إلى الإنتاج العسكري ليس مجرد تغيير اسم المصنع؛ فهو يحتاج إلى تصميمات، ومواد، وسلاسل إمداد، ومكونات دقيقة، ومعايير جودة، وخبرات هندسية، واختبارات، وبنية بحث وتطوير.
ولذلك فإن امتلاك قاعدة صناعية واسعة ومتنوعة يمنح الدولة مرونة استراتيجية أكبر بكثير من الدولة التي تعتمد بالكامل على الاستيراد.
ثامنًا: هل القوة في شراء السلاح أم في بناء القدرة؟
هنا أتفق مع جوهر الفكرة:
القوة ليست في عدد الأسلحة التي تستطيع شراءها، وإنما في قدرتك على تمويلها وتشغيلها وصيانتها وتطويرها وإنتاج جزء معتبر منها بنفسك.
والأهم ألا تتحول صفقات التسليح إلى عبء دائم على الاقتصاد أو إلى باب للابتزاز السياسي.
تاسعًا: عدم الدخول في حرب لإرضاء الآخرين
هذه ربما تكون الرسالة السياسية الأوضح في المقال.
مصر دولة كبيرة، لكنها أيضًا دولة لها شعب واقتصاد وحدود والتزامات ومصالح.
ومن حق أي دولة أن تتوقع من مصر موقفًا سياسيًا أو دعمًا دبلوماسيًا، لكن القرار المتعلق بالحرب والسلام يجب أن يكون قرارًا مصريًا خالصًا تحدده المصلحة الوطنية المصرية.
فالجيش المصري ليس أداة في يد أي طرف، ومصر لا ينبغي أن تخوض حربًا لأن أحدًا يريد منها ذلك.
عاشرًا: الاقتصاد والمواطن
وهنا تأتي النقطة التي أرى أنها الأكثر أهمية والأقرب إلى المواطن المصري.
مهما كانت الحسابات الاستراتيجية صحيحة، فإن المواطن يريد أن يعرف:
أين تذهب الموارد؟
كيف نحمي الاقتصاد؟
كيف نستمر في التنمية؟
كيف نخفف الضغوط المعيشية؟
وكيف يشعر المواطن أن الدولة تحارِب من أجله كما تحارب من أجل أمنها؟
فالأمن القومي لا ينفصل عن الأمن الاقتصادي والاجتماعي.
حادي عشر: إذا توقف القتال… ماذا يبقى؟
هذا سؤال مشروع جدًا.
إذا انتهت الحرب أو هدأت التوترات، تبقى الدول التي بنت اقتصادًا قويًا وصناعة وطنية وتكنولوجيا وتعليمًا وبنية أساسية.
أما الدول التي أنفقت بلا حساب لمجرد الاستعراض، فسوف تدفع الثمن بعد انتهاء الأزمة.
ولهذا فإن الحكمة الاستراتيجية هي أن تخرج الدولة من الأزمة أقوى اقتصاديًا وصناعيًا وسياسيًا لا أكثر إنهاكًا.
ثاني عشر: عدم فصل الداخل عن الخارج
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
لا يمكن تحليل السياسة الخارجية بمعزل عن الاقتصاد الداخلي، ولا يمكن تحليل الاقتصاد الداخلي بمعزل عن الأمن القومي.
الداخل والخارج وجهان لأمن الدولة.
كل ضغط خارجي له انعكاس اقتصادي واجتماعي، وكل ضعف داخلي قد تستغله أطراف خارجية.
ومن هنا تصبح قوة الجبهة الداخلية جزءًا أساسيًا من قوة السياسة الخارجية.
ثالث عشر: الحكومة والتعامل مع المواطن
وأعتقد أن المقال كان منصفًا عندما أشار إلى أن أداء الحكومة وخطابها تجاه المواطن يمكن أن يصنعا فارقًا كبيرًا.
فحتى عندما تكون القرارات صعبة، فإن طريقة شرحها للمواطن واحترام عقله وطمأنته إلى حقيقة الموقف تصنع فارقًا هائلًا.
المواطن لا يطلب المستحيل؛ لكنه يريد أن يفهم، وأن يشعر بأن صوته مسموع، وأن الأعباء موزعة بعدالة.
رابع عشر: القوة الحقيقية ليست في الصور والقمم والبيانات
وهنا أجد أن خاتمة المقال تلخص الفكرة كلها:
الدول الكبيرة لا تثبت قوتها بكثرة الصور، وإنما بقدرتها على اختيار المعركة، وتحديد التوقيت، وحساب التكلفة، ومعرفة متى تتحرك ومتى تنتظر.
وقد تكون أحيانًا أقوى كلمة تستطيع الدولة أن تقولها هي:
"لا."
خامس عشر: مصر لا تملك رفاهية الاستدراج
مصر دولة محورية، ولذلك فإن أي صراع إقليمي يمكن أن تكون له تداعيات مباشرة على أمنها واقتصادها ومصالحها.
ومن ثم فإن ضبط النفس ليس ضعفًا، والامتناع عن الدخول في حرب ليس جبنًا، والدبلوماسية ليست تراجعًا.
أحيانًا يكون ضبط النفس أعلى درجات القوة.
سادس عشر: الجيش المصري
الجيش المصري مؤسسة وطنية، ومهمته الأساسية حماية الدولة المصرية وشعبها وحدودها ومصالحها.
وقوة الجيش الحقيقية لا تكمن فقط في السلاح الذي يمتلكه اليوم، وإنما في الإنسان، والتدريب، والعقيدة، والجاهزية، والتكنولوجيا، والقدرة على التطوير، والقرار الوطني المستقل.
سابع عشر: الصناعة ونقل التكنولوجيا وبناء القدرة الذاتية
وهنا أعود إلى جوهر الفكرة مرة أخرى:
المستقبل ليس لمن يملك أكبر مخزن للسلاح، وإنما لمن يملك أكبر قدرة على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا والسلاح والصناعة.
ولهذا فإن التصنيع المحلي، والبحث العلمي، وتوطين التكنولوجيا، وتأهيل المهندسين والعلماء والفنيين، كلها عناصر من عناصر الأمن القومي المصري.
ثامن عشر: مصر لا تحتاج إلى الصخب لإثبات وجودها
مصر لها موقعها الجغرافي، وثقلها التاريخي، ودورها الإقليمي، ومؤسساتها الوطنية، وجيشها.
ولا تحتاج إلى الدخول في سباق بيانات أو استعراضات لإثبات أنها دولة كبيرة.
الدولة الواثقة من قدراتها لا تحتاج إلى رفع صوتها طوال الوقت.
والخلاصة التي أستخلصها من المقال كله:
نحن أمام عالم لا يعرف الصداقة الدائمة ولا العداء الدائم، وإنما يعرف المصلحة والقوة والقدرة على التفاوض.
ومصر، إذا أرادت أن تحافظ على مكانتها، فعليها أن تبني قوتها في ستة اتجاهات متوازية:
قوة عسكرية رادعة،
اقتصاد قادر على الصمود،
صناعة وطنية متقدمة،
تكنولوجيا ومعرفة،
دبلوماسية ذكية،
وجبهة داخلية متماسكة.
وحين تجتمع هذه العناصر، يصبح قرار الدولة أكثر استقلالًا، وتصبح قدرتها على قول "نعم" أو "لا" نابعة من قوة حقيقية لا من رد فعل.
أما المواطن المصري، فهو في النهاية شريك في الوطن، ومن حقه أن يرى أثر هذه القوة في حياته ومعيشته ومستقبل أبنائه.
سيادة اللواء م. سامي دنيا، خالص الشكر والتقدير على هذا الطرح الذي يفتح بابًا واسعًا للتفكير في المشهد من زاوية الأمن القومي والاقتصاد والصناعة والسياسة معًا.
وقد نختلف مع بعض العبارات أو التوصيفات الواردة في أي قراءة سياسية، لكن القيمة الحقيقية تكمن في أن ندفع القارئ إلى السؤال والتفكير والمقارنة، لا إلى الانفعال فقط.
وفي النهاية:
حفظ الله مصر وشعبها وجيشها، وحفظ أوطاننا العربية من الفتن والحروب، ووفق صناع القرار إلى ما فيه خير البلاد والعباد، وجعل الحكمة قائدًا للقوة، والقوة حاميةً للسلام، والسلام طريقًا للتنمية والاستقرار.
تحيا مصر… ويحيا شعبها… ويبقى قرارها الوطني مستقلًا.
والحمد لله رب العالمين.
﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

تعليقات
إرسال تعليق