أدب الامتنان.. عن الوفاء حين يصبح فلسفة وجود


بقلم د. ولاء عابد

في غمار الركض اليومي المستمر وتزاحم متطلبات الحياة المعاصرة ينساق الإنسان في كثير من الأحيان نحو الاعتياد السلبي فيستقبل نعم الوجود ولفتات الوفاء الطيبة من حوله بوصفها مسلمات بديهية مراميا إياها بزهو العابرين دون أن يوليها حقها المستحق من التأمل والاعتبار. 


غير أن السر العميق لسرائر النفوس والنضج الوجداني الأصيل يثبتان يوما بعد يوم أن أسمى درجات التسامي الإنساني والسيادة الفكرية لا تتجلى فحسب في القدرة على بذل العطاء بل في إتقان "أدب الامتنان".


ذلك المسلك الأخلاقي الرفيع الذي يرتفع بالاعتراف بالفضل من مجرد رد فعل عابر أو صنيع مجاملة شكلية إلى فلسفة حياة راسخة تصون جلال الروابط وتضفي على الوجود إشراقته ودفئه الحقيقي.


إن الامتنان الصادق الذي نتأمله هنا ليس مظهرا من مظاهر الاستكانة ولا انكسارا طيعا أمام إحسان الآخرين بل هو التجلي الأبهى لصلابة البناء النفسي واعتدال الشخصية. 


إن المرء الممتن هو صاحب روح مطمئنة ومكتفية تمتلك السعة الذاتية والشجاعة الفكرية لإبصار الجمال في أفعال المخلصين والجهر بالتقدير لأثرهم الطيب دون أدنى تحرج أو استكبار. 


فالامتنان يعمل بمثابة إعادة هيكلة إدراكية لنظرتنا إلى العالم إنه البصيرة الروحية التي تجعلنا نلتقط اللطف المخبأ بين طيات الأيام ونثمن الكلمات الدافئة التي جبرت بها انكساراتنا الخفية ونجل الأيدي النبيلة التي امتدت لإسنادنا في لحظات العتمة دون انتظار جزاء ولا شكور. 


وحين يمارس الإنسان هذا الأدب الواعي فإنه يحصن ذاته من الجفاف الوجداني ومن الوقوع في آفة جحود النعم.


فضلا عن ذلك يشكل أدب الامتنان الركيزة البنيوية التي تضمن استدامة العلاقات الإنسانية وتمنحها طاقة تجدد لا تنضب. 


فالعبارات الطيبة والمشاعر الصادقة التي نغفل عن إظهارها قد تذبل وتستحيل مواتا في صدور أصحابها كما أن المبادرات السامية التي لا تجد صدى من التقدير المحمود تشحب بمرور الأيام وتفقد أصالتها. 


وعندما نفصح عن امتناننا الشفيف لمن يقاسموننا نبل الود وسند المسيرة فنحن لا ندخل السرور على أفئدتهم فحسب بل نعيد بناء أماننا الداخلي ونشيد سياجا حصينا من المهابة والاحترام المتبادل يقي العلاقات من رتابة الاعتياد ومن جفاء الخصومة. 


إن الشكر الواعي هو المادة الحيوية التي تبقي شعلة البذل متقدة بين البشر وهو الجسر المكين الذي يصل القلوب بصدق وشفافية.


إن أثمن ما يهبه الامتنان للمرء هو تحقيق الطمأنينة النفسية واكتساب مناعة صلبة ضد مرارة التقلبات وزمانة الظروف. 


فالإنسان الذي يتخذ من الامتنان منهجا ينظر به إلى الحياة لا يستغرق في حسرة ما يفتقده بقدر ما يستحضر القيمة العظمى لما يستقره في يديه ولا يتوقف مليا عند خطايا العابرين بقدر ما يحتفي بوفاء الصادقين. 


إن الامتنان يحرر الوجدان من أسر المقارنات الإحباطية ويمنح العقل صفاءا يتسامى به عن صغائر الخلافات وهامشيات الصراع فيغدو المرء أرسخ قدما وأعمق نضجا وأقدر على خوض معارك الحياة بسكينة ووقار.


أن نتقن أدب الامتنان يعني أن نكون أقوياء في إقرارنا بالفضل كراما في إفصاحنا عن المحبة وأوفياء لكل غرس طيب زرعته الأرواح النبيلة في وجداننا. 


إن العمر أقصر من أن نرجئ فيه كلمات الثناء وأجل من أن ننساقه في جفاف الشح العاطفي فالمرء الحكيم هو من يجعل من الامتنان عنوانا لروحه ونبراسا لفكره ليظل الوجود في عينيه رحلة ثرية بالمعنى وحافلة بالجمال والمحبة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية