حين تتعب النفس من كثرة الضجيج تبدأ رحلة العودة إلى الداخل
كتب /معالى السفير ناصر زاهر
هناك نوع من التعب لا يظهر في ملامح الوجه ولا تسجله التحاليل ولا يستطيع الإنسان أحيانا أن يشرح سببه
إنه التعب الذي يأتي من كثرة ما نسمع وقلة ما نصغي
نسمع أصوات الناس وأحكامهم ومخاوفهم ونصائحهم ومطالبهم ونسمع ضجيج العالم من حولنا حتى يصبح صوتنا الداخلي هو الصوت الوحيد الذي لا نسمعه
ومع الوقت يبدأ الإنسان في فقدان علاقته بنفسه
يضحك لأنه يجب أن يضحك
يتحدث لأنه يجب أن يتحدث
يعمل لأنه يجب أن يعمل
ويستمر في الحياة لأنه لا يعرف كيف يتوقف
لكن شيئا في داخله يكون قد توقف بالفعل
وهنا يمكن أن تبدأ الموسيقى في أداء دور مختلف تماما
ليست الموسيقى في هذه الحالة علاجا للمرض بقدر ما هي مساحة للإنصات
مساحة يتراجع فيها الضجيج الخارجي قليلا حتى يستطيع الإنسان أن يسمع ما يحدث داخله
ولهذا أؤمن أن أول خطوة في العلاج ليست دائما أن نتحدث
أحيانا تكون الخطوة الأولى أن نصغي
فالإنسان الذي لا يعرف ماذا يشعر قد يستطيع أن يعبر عن شعوره من خلال نغمة
والذي يعجز عن وصف خوفه قد يجد في الإيقاع طريقة لإخراجه
والذي فقد القدرة على الفرح قد يبدأ بابتسامة صغيرة عندما يسمع لحنا ارتبط في ذاكرته بوقت جميل
الموسيقى لا تسأل الإنسان لماذا أنت حزين
ولا تحاصره بالأسئلة
ولا تجبره على الاعتراف بما لم يستطع الاعتراف به
إنها فقط تفتح أمامه بابا
والإنسان هو الذي يقرر هل يدخل منه أم لا
وهنا تكمن قيمة الموسيقى في العمل العلاجي
أنها لا تتعامل مع الإنسان باعتباره مشكلة يجب إصلاحها
بل باعتباره إنسانا يحمل قصة
وقصة الإنسان لا توجد كلها في كلماته
هناك أجزاء منها تسكن في ذاكرته وفي حركات جسده وفي صوته وفي صمته وفي الطريقة التي يتنفس بها وفي الإيقاع الذي يتحرك به
ولهذا فإن الموسيقى تستطيع أحيانا أن تقترب من مناطق لا تصل إليها اللغة بسهولة
وقد يكون هذا أكثر وضوحا مع الأطفال وذوي الهمم وبعض الحالات التي يكون فيها التعبير بالكلام محدودا
فالطفل الذي لا يستطيع أن يقول أنا خائف قد يضرب الطبل بعنف
والذي لا يستطيع أن يقول أنا سعيد قد يرقص
والذي لا يستطيع أن يقول اقترب مني قد يشارك في الغناء الجماعي
وهنا لا يصبح الصوت مجرد صوت
بل يصبح رسالة
وتصبح الحركة لغة
ويصبح الإيقاع وسيلة للتواصل
أما الروح فليست شيئا نضع له وصفة موسيقية
ولا يمكن اختزالها في تردد أو نغمة أو آلة موسيقية
الروح أعمق من ذلك بكثير
لكن عندما يهدأ الإنسان ويخرج قليلا من حالة الصراع الداخلي فقد يصبح أكثر قدرة على الشعور بالمعنى وأكثر قدرة على التأمل وأكثر قربا من السلام الداخلي
وهذه المساحة الروحية يمكن أن تكون سندا مهما في رحلة التعافي
فالعلاج الحقيقي لا يعني دائما أن يختفي الألم
أحيانا يعني أن يتغير موقف الإنسان من ألمه
أن يفهمه
أن يراه دون أن يهرب منه
أن يتعلم كيف يعيش دون أن يسمح لجراحه بأن تحدد هويته بالكامل
وهنا يصبح دور الموسيقى شديد الإنسانية
فهي لا تعد الإنسان بحياة بلا ألم
لكنها قد تساعده على اكتشاف أن داخله مساحة ما زالت قادرة على الحياة رغم الألم
قد تكون تلك المساحة نغمة
أو ذكرى
أو صوتا
أو حركة
أو لحظة صمت بين نغمتين
وربما يكون أجمل ما في الموسيقى أن الصمت جزء منها
فالموسيقى العظيمة ليست أصواتا متتابعة بلا توقف
إنها صوت وصمت
اقتراب وابتعاد
توتر وراحة
بداية ونهاية
وكذلك الإنسان
لا يستطيع أن يعيش في حالة انفعال دائم
ولا في حالة نشاط دائم
ولا في حالة حزن دائم
إنه يحتاج إلى إيقاع
وهذا الإيقاع هو أحد المفاتيح التي يمكن أن نعيد بها ترتيب علاقتنا بأنفسنا
لذلك فإنني لا أرى العلاج بالموسيقى باعتباره محاولة لجعل الإنسان يسمع الموسيقى فقط
بل أراه محاولة لمساعدة الإنسان على اكتشاف موسيقاه الداخلية
ذلك الإيقاع الخاص الذي فقده تحت ضغط الحياة
وعندما يبدأ الإنسان في استعادة هذا الإيقاع يبدأ شيء آخر في التغير
تصبح خطواته أكثر هدوءا
كلماته أكثر وعيا
انفعالاته أقل اندفاعا
علاقته بنفسه أكثر رحمة
ونظرته إلى الآخرين أكثر تفهما
وهنا تتحول الموسيقى من مجرد فن إلى مساحة إنسانية للوعي
فربما لا يكون السؤال الحقيقي هو أي موسيقى نسمع
بل ماذا يحدث لنا عندما نصغي
وماذا نكتشف عندما يهدأ العالم من حولنا
وماذا يبقى منا عندما تختفي كل الأصوات ولا يبقى إلا صوتنا الداخلي
هناك يبدأ العلاج الحقيقي
حين لا نحاول أن نهرب من أنفسنا
بل نعود إليها
وحين لا نحاول أن نغطي الألم بالضجيج
بل نسمح لأنفسنا أن تسمعه دون خوف
وحين نفهم أن الإنسان ليس بحاجة دائما إلى من يصلحه
بل إلى من يساعده على اكتشاف أنه ما زال يحمل داخله القدرة على النهوض
وهنا يمكن للموسيقى أن تصبح رفيقا في هذه الرحلة
لا لأنها تملك عصا سحرية
ولكن لأنها تعرف كيف تطرق الباب برفق
وتترك للروح حرية أن تفتح
#تأملات_ناصر_زاهر
#العلاج_بالموسيقى
#هندسة_الوعي_الموسيقي


تعليقات
إرسال تعليق