رحلة التعافي من الفقد الحلقة الثالثة: لماذا يبدو الألم كبيرًا؟
بقلم: لايف كوتش علا مصطفى
بوصلة الحياة
“لم أكن أتخيل أن غيابه سيغير كل شيء في حياتي بهذا الشكل.”
أحيانًا نتساءل:
لماذا كل هذا الألم؟
لماذا لا نشعر أننا فقدنا شخصًا فقط؟
لماذا يبدو المكان مختلفًا؟
ولماذا تصبح التفاصيل الصغيرة التي لم نكن ننتبه إليها مؤلمة فجأة؟
لأن الفقد لا يأخذ الإنسان فقط…
بل يأخذ معه جزءًا من الحياة التي كانت مرتبطة بوجوده.
لماذا يبدو الألم كبيرًا؟
عندما يدخل شخص أو علاقة أو حلم إلى حياتنا، لا يصبح مجرد جزء منفصل منها.
بل يدخل في تفاصيل أيامنا:
مواعيدنا…
عاداتنا…
أحاديثنا…
خططنا…
وحتى الطريقة التي كنا نرى بها المستقبل.
وعندما يحدث الفقد، لا يختفي الشخص فقط…
بل تتغير أشياء كثيرة كانت مرتبطة بوجوده.
ولهذا قد نشعر وكأن جزءًا من حياتنا قد اختفى معه.
ماذا نفقد مع الفقد؟
قد نفقد:
الذكريات
الأماكن والمواقف التي كانت تجمعنا.
العادات اليومية
مكالمة، رسالة، لقاء، أو تفاصيل صغيرة اعتدنا عليها.
الأحاديث
الشخص الذي كنا نحكي له ما يحدث في يومنا.
الخطط
أشياء كنا نتخيل أننا سنعيشها معًا.
الإحساس بالأمان
ذلك الشعور بأن هناك شخصًا موجودًا يمكننا الرجوع إليه.
ولهذا لا يكون الألم متعلقًا بالغياب وحده…
بل بكل ما أصبح غائبًا معه.
أمثلة من الحياة
قد يفقد شخص عزيزًا، فيجد أن أكثر ما يؤلمه ليس الصمت فقط، بل عدم وجود من كان يحكي له تفاصيل يومه.
وقد تنتهي علاقة، فيكتشف أن ما يفتقده ليس الشخص وحده، بل الشعور بالأمان والاحتواء الذي كان يشعر به معه.
وقد يفقد الإنسان حلمًا كبيرًا، فيحزن ليس على الحلم فقط، وإنما على السنوات التي تخيل خلالها حياته بعد تحقيقه.
لهذا قد يكون الفقد أكبر من الشيء الذي فقدناه.
لأننا نحزن أيضًا على الحياة التي كنا نعيشها أو نتخيلها معه.
أخطاء شائعة تزيد الألم
أن نقول: “أنا فقدت شخصًا فقط.”
أحيانًا تكون هناك أشياء كثيرة تحتاج إلى الحداد عليها، وليس الشخص وحده.
أن نحاول استبدال ما فقدناه بسرعة.
لا يمكن دائمًا تعويض علاقة أو تجربة أو مرحلة بمجرد إدخال شيء جديد إلى حياتنا.
أن نشعر بالذنب عندما نبدأ في الاستمتاع بالحياة.
ابتسامتك لا تعني أنك نسيت.
وضَحكتك لا تعني أن ما فقدته لم يكن مهمًا.
أن نعيش داخل الماضي بالكامل.
الاحتفاظ بالذكريات شيء…
والعيش في الماضي لدرجة فقدان الحاضر شيء آخر.
رسالة إليك:
إذا شعرت أن الفقد أخذ منك أكثر مما توقعت…
فهذا مفهوم.
أنت لا تحاول فقط أن تتعامل مع غياب شخص أو شيء، بل تحاول أن تتعلم شكلًا جديدًا من الحياة.
لا تلوم نفسك لأن بعض التفاصيل ما زالت تؤلمك.
ولا تخجل من اشتياقك.
وفي الوقت نفسه، لا تجعل غياب ما فقدته يقنعك بأن حياتك انتهت.
ما فقدته كان جزءًا من حياتك… لكنه ليس كل حياتك.
يمكنك أن تحتفظ بالذكرى، وتحترم ما كان، وتحب من أحببت…
وفي الوقت نفسه تسمح لنفسك أن تبني حاضرًا جديدًا.
خطوات صغيرة تساعدك
عندما تشعر أن الفراغ أصبح كبيرًا، لا تحاول أن تملأه بأي شيء بسرعة.
ابدأ بالسؤال:
“ما الشيء الذي أفتقده تحديدًا؟”
هل أفتقد الشخص؟
أم الأمان؟
أم الصحبة؟
أم الشعور بأن هناك من يسمعني؟
أم الحياة التي كنت أتخيلها؟
عندما نفهم ما نفتقده، نستطيع أن نبدأ في البحث عن طرق صحية لاستعادة بعض هذه الاحتياجات في حياتنا الجديدة.
قد يكون ذلك من خلال:
التواصل مع أشخاص آمنين…
بناء روتين جديد…
العودة إلى نشاط نحبه…
أو منح أنفسنا مساحة للراحة والتعبير.
لا تحاول أن تعيد حياتك القديمة بالكامل… ابدأ ببناء حياة جديدة تحمل ما تعلمته من تجربتك.
تمرين الحلقة
خذ عشر دقائق واكتب:
“ما أكثر شيء أفتقده منذ حدوث الفقد؟”
ثم اسأل نفسك:
“ما الذي كان هذا الشيء يمنحني إياه؟”
هل كان يمنحك:
الأمان؟
الاهتمام؟
الانتماء؟
الصحبة؟
الأمل؟
ثم اكتب:
“ما الخطوة الصغيرة التي يمكن أن تساعدني في تلبية هذا الاحتياج اليوم بطريقة صحية؟”
سؤال للتفاعل
عندما تفكر في الفقد الذي مررت به… ما أكثر شيء تفتقده؟
الشخص نفسه؟
أم الذكريات؟
أم الأمان؟
أم تفاصيل الحياة التي كانت موجودة معه؟
شاركنا رأيك…
فربما تساعد إجابتك شخصًا آخر على فهم سبب ألمه.
وفي الرحلة القادمة…
بعد أن فهمنا أن الفقد لا يأخذ الشخص فقط، بل يأخذ معه الكثير من تفاصيل حياتنا…
سنقترب من شعور آخر قد يزيد الألم:
الغضب بعد الفقد… ممن نغضب؟
قد نغضب من أنفسنا…
أو من الظروف…
أو من الشخص الذي رحل…
وقد نشعر بالذنب لمجرد أننا غاضبون.
فهل الغضب طبيعي في رحلة الفقد؟
وكيف نعبّر عنه دون أن يتحول إلى أذى لأنفسنا أو للآخرين؟
هذا ما سنحاول فهمه في الرحلة القادمة.
د. علا مصطفى
لايف كوتش – بوصلة الحياة
“الفقد قد يغيّر شكل حياتنا، لكنه لا يملك الحق في أن يكتب نهايتها.”

تعليقات
إرسال تعليق