هنيئًا للساجدين تأملات إيمانية
بقلم د. عبد الحكيم المغربي
مستشار ومفكر إسلامي
هنيئًا لكم أيها الساجدون لله في الدنيا، المحافظون على صلواتكم، الحريصون على أداء فرائض الله في أوقاتها.
هنيئًا لمن عرف أن السجود ليس مجرد حركة تؤديها الجوارح، وإنما هو من أعظم صور العبودية والخضوع لله سبحانه وتعالى.
يقول الله عز وجل:
﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾
[العلق: 19]
ما أعظم هذه الآية وأعمق معناها؛ فالسجود موطن قرب ودعاء وتذلل لله سبحانه وتعالى.
ويقول جل شأنه:
﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ۩﴾
[النجم: 62]
فالسجود لله وحده، والعبادة لله وحده، والخضوع لله وحده.
يوم القيامة… يُدعى إلى السجود
ومن أعظم المشاهد التي ينبغي للمؤمن أن يتأملها مشهد السجود يوم القيامة.
قال الله تعالى:
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾
[القلم: 42-43]
وهذا المعنى جاء بيانه في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ، في مشهد يوم القيامة، حيث يُؤذن للمؤمنين بالسجود، بينما يعجز عنه من كان في الدنيا يسجد رياءً وسمعة.
فيا لها من لحظة عظيمة!
السجود الذي اعتاده المؤمن في الدنيا لله وحده، يظهر أثره يوم القيامة.
أما من كان يدعى إلى السجود في الدنيا، ثم أعرض واستكبر، أو جعل عبادته للناس والسمعة والثناء، فهناك تنكشف الحقائق.
السجود… أقرب ما يكون العبد من ربه
قال رسول الله ﷺ:
«أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربِّه وهو ساجدٌ، فأكثروا الدعاءَ».
رواه مسلم.
فتأملوا هذا الفضل العظيم.
أنت حين تسجد، تكون في موطن عظيم من مواطن الدعاء والقرب من الله، ولذلك أرشدنا رسول الله ﷺ إلى الإكثار من الدعاء في السجود.
فلا تجعل سجودك مجرد ثوانٍ تنتهي، بل اجعلها لحظات صادقة بينك وبين ربك.
اشكُ إليه ضعفك، واسأله رحمته، واستغفره، واطلب منه الهداية والثبات وحسن الخاتمة.
أكثروا من السجود
وقد سأل أحد الصحابة رسول الله ﷺ أن يدله على عمل يدخله الجنة، فقال له النبي ﷺ:
«عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدةً إلا رفعك الله بها درجةً، وحطَّ عنك بها خطيئةً».
رواه مسلم.
وفي حديث آخر، لما سأل ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه النبي ﷺ مرافقته في الجنة، قال له رسول الله ﷺ:
«فأعِنِّي على نفسك بكثرة السجود».
رواه مسلم.
فأي منزلة أعظم من أن يكون السجود سببًا في رفع الدرجات، ومحو الخطايا، وأن يكون من أسباب مرافقة رسول الله ﷺ في الجنة؟
كلمة متداولة عن ثواب السجود
وقد ذكر الشيخ الفاضل مصطفى الشريف في إحدى خطبه معنى متداولًا في كتب الوعظ والترغيب، فقال:
«فكل عبد سجد لي، لك بكل ركعة ركعتها قصرًا بالجنة، وكل سجدة سجدتها نظرة إلى وجهي الكريم».
وهذا المعنى قديم ومتداول في بعض كتب الوعظ، لكن ينبغي التنبيه إلى أننا لا ننسب هذا اللفظ إلى رسول الله ﷺ على أنه حديث ثابت ما لم يثبت تخريجه بسند معتبر.
أما أصل نعيم الجنة ورؤية المؤمنين لربهم سبحانه وتعالى فهو ثابت بالكتاب والسنة.
قال الله تعالى:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾
[القيامة: 22-23]
وهذا من أعظم نعيم أهل الجنة.
لا تستهِن بسجدة
أخي المسلم، لا تستهِن بسجدة.
فالسجدة التي تؤديها اليوم قد تكون سببًا في رفع درجتك عند الله.
والصلاة التي تحافظ عليها في وقتها هي صلتك بربك.
والدعاء الذي ترفعه في سجودك قد يكون وراءه فرج لا تتوقعه.
فلا تجعل الدنيا تشغلك عن الصلاة، ولا تجعل العمل أو التجارة أو المشاغل أو الناس يأخذونك بعيدًا عن رب العالمين.
قال الله تعالى:
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾
[البقرة: 238]
وحافظوا على الصلاة، فإنها ليست عبئًا على المؤمن، وإنما هي راحته وطمأنينته وصلته بربه.
هنيئًا للساجدين
هنيئًا لمن كانت جبهته تسجد لله.
هنيئًا لمن حافظ على صلاته.
هنيئًا لمن إذا سجد أخلص لله، ولم يطلب بعبادته مدح الناس ولا ثناءهم.
هنيئًا لمن عرف أن الدنيا مهما طالت قصيرة، وأن ما عند الله خير وأبقى.
فيا من تسجد لله اليوم، أكثر من السجود، وأكثر من الدعاء، وأخلص لله في عبادتك.
ولا تنظر إلى صغر السجدة، وانظر إلى عظمة من تسجد له.
اللهم اجعلنا من أهل الصلاة والسجود.
اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل.
اللهم لا تحرمنا لذة القرب منك، ولا تحرمنا نعيم الجنة ورؤيتك فيها.
اللهم ثبت قلوبنا على طاعتك، واغفر لنا ذنوبنا، وارفع درجاتنا، واختم لنا بالإيمان والتوحيد.
فهنيئًا للساجدين…
وهنيئًا لمن كان سجوده لله وحده.

تعليقات
إرسال تعليق