حكايه من حكايات طنط ماجدة
يأتري من الرجل الذي حُذف اسمه من كل الكتب... لكن الله ذكره في القرآن ست مرات!"
سؤال جوابه في المقال
بقلم/ماجدة الروبي
تخيل أن هناك رجلًا كان يقف خلف أقوى ملوك الأرض... رجلًا كانت كلمة واحدة منه تكفي لتغيير مصير مدينة كاملة، وكان اسمه يثير الرعب في القلوب أكثر من صوت الجيوش.
ثم مرّت القرون...
فاختفى اسمه من معظم السجلات القديمة، ولم يبق له ذكر في التوراة ولا في الأناجيل الحالية، بينما حفظه الله في القرآن الكريم، لا تكريمًا له، بل ليبقى عبرة لكل من يأتي بعده.
ذلك الرجل هو هامان.
في قلب مصر القديمة، حيث كان النيل يشق الأرض كخيط من الذهب، وحيث كانت المعابد والمسلات والقصور الشاهقة تعلن هيبة الملوك، عاش الناس تحت حكم لا يعرف الرحمة.
كان فرعون يجلس على عرش يحيط به الذهب والجند والكهنة والوزراء، وكل من في القصر يخفض رأسه قبل أن ينطق الملك بكلمة.
لكن خلف هذا العرش، كان يقف رجل آخر...
رجل لم يكن ملكًا، لكنه امتلك نفوذًا جعل الجميع يحسب له ألف حساب.
كان ذلك الرجل هو هامان.
لم يكن مجرد خادم أو موظف في الدولة، بل كان من أقرب الناس إلى فرعون، وصاحب رأيه، والرجل الذي ينفذ رغباته بلا تردد.
إذا أراد فرعون مشروعًا ضخمًا... تولى هامان تنفيذه.
وإذا أراد أن يفرض هيبته على الناس... كان هامان هو من يصنع الوسائل.
وإذا راودت فرعون فكرة جديدة تزيد من جبروته... وجد في هامان أول من يشجعه ويزينها له.
حتى أصبح وجوده جزءًا من قوة الطاغية نفسه.
كان يشرف على أعمال البناء، ويقود أعدادًا كبيرة من العمال والبنائين، وتُنفذ أوامره بسرعة لا يجرؤ أحد على الاعتراض عليها.
وفي تلك الأيام، كانت مصر تعيش في ظل الخوف.
الضعيف لا يملك حق الاعتراض.
والمظلوم لا يجد من يسمع صوته.
وكل شيء يسير كما يريد فرعون... وكما يخطط هامان.
لم يكن القصر مكانًا للعدل، بل كان مسرحًا للرعب.
وزراء يهمسون خوفًا.
وحراس لا يعرفون إلا تنفيذ الأوامر.
وكهنة يسكتون أمام الباطل.
وفي وسط هذا كله، كان هامان حاضرًا دائمًا، يساند فرعون في كل خطوة، ويغذي داخله شعور العظمة حتى ظن أنه لا يُهزم.
وكان الناس يخشون نظرة هامان، كما يخشون غضب فرعون.
لأنهم يعلمون أن أمرًا واحدًا منه قد يقود أسرة كاملة إلى الهلاك أو السخرة.
ومع مرور الأيام، لم تعد العلاقة بين فرعون وهامان مجرد علاقة ملك بوزيره.
بل أصبحت شراكة كاملة في الطغيان.
كل واحد منهما يدفع الآخر إلى مزيد من الكبر والظلم.
كلما ازداد فرعون غرورًا...
وجد من هامان من يقول له: أنت تستحق أكثر.
وكلما خطر ببال فرعون ظلم جديد...
وجد من ينفذه دون سؤال.
ولهذا لم يكن هامان مجرد شاهد على طغيان فرعون...
بل كان أحد أعمدته.
ولذلك يذكر القرآن الكريم أسماء ثلاثة دائمًا في مواضع من قصة موسى عليه السلام:
فرعون... وهامان... وقارون.
ثلاثة يمثلون وجوه الفساد المختلفة.
فرعون يمثل سلطان الحاكم الجائر.
وقارون يمثل فتنة المال والثراء.
أما هامان، فيمثل ذلك المسؤول الذي يستخدم مكانته ونفوذه لخدمة الباطل، ويجعل قوته أداة في يد الطاغية.
فليس كل ظلم يصنعه الملك وحده...
بل يحتاج إلى من يزين له الباطل، وينفذ أوامره، ويقنع الناس بالخضوع له.
ولهذا بقي اسم هامان في القرآن، ليكون تحذيرًا لكل من يجعل علمه أو منصبه أو سلطته وسيلة لنصرة الظالم.
وكان الكبر يتسلل إلى قلبه يومًا بعد يوم.
حتى أصبح يرى نفسه فوق الناس جميعًا.
وصار يصدق أن القوة التي بين يديه لن تزول أبدًا.
وفي كل مرة كان يسمع فيها فرعون يقول للناس: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، لم يكن يعترض، ولم يتردد، بل كان يؤيد ويثبت هذا الباطل، حتى قست القلوب، وغاب الحق، وانتشر الظلم في كل مكان.
لكن التاريخ علمنا أن الطغيان مهما ارتفع...
فإن نهايته تبدأ من اللحظة التي يظن فيها صاحبه أنه لا يُهزم.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾
اللهم ارزقنا التواضع، وجنبنا طريق الظالمين وأعوانهم، وثبت قلوبنا على الحق.

تعليقات
إرسال تعليق