حين سقط القناع
بقلم /سماح العباسي
في ذلك الصباح، كانت تجلس أمام متجرها الصغير، تقطف أوراق الخضار بيدين أنهكتهما الحياة، وكأنها تجمع ما تبقى من أيامها بصبر لا يعرف الشكوى.
جلست إلى جوارها وسألتها: "كيف حالك؟"
ابتسمت ابتسامة خافتة وقالت: "ماشي الحال."
لكنني شعرت أن خلف تلك الكلمات البسيطة حكاية طويلة من التعب والمعاناة.
أخبرتني أنها تعيل ابنها المطلق وحفيديها، وأنها تخرج كل صباح لتواجه قسوة الحياة بما تيسر لها من قوة.
ثم روت لي كيف وقعت ضحية رجل أوهمها بأنه سيساعدها في شراء بطاطين بسعر مخفض.
أخذ منها المال، واصطحبها مع حفيدها إلى مكان بعيد، ثم تركهما هناك ورحل، غير عابئ بخوف امرأة مسنة ولا بحيرة طفل صغير.
ولأنها لا تعرف القراءة والكتابة، وجدت نفسها عاجزة عن معرفة الطريق أو طلب المساعدة، حتى قيّض الله لها أحد المارة، فأحسن إليها وساعدها على الاتصال بابنتها، التي جاءت وأعادتها إلى منزلها.
وأنا أستمع إلى قصتها، عادت إلى ذاكرتي قصة فتاة يتيمة من ذوي الهمم، كانت تمتلك صوتًا جميلًا وحلمًا أكبر من ظروفها.
كانت تؤمن أن الموهبة يمكن أن تفتح لها بابًا إلى حياة أفضل.
في أحد الأيام، اقترب منها رجل خمسيني عبر موقع فيسبوك.
كان كاتبًا مغمورًا لا يعرفه أحد، وكانت هي ممن آمنوا بموهبته في بداياته، فدعمت كتاباته، وشجعت الآخرين على قراءتها، وأسهمت في انتشار اسمه بين الناس.
جاءها هذه المرة بوجه آخر.
أوهمها بأنه قادر على مساعدتها في الحصول على فرصة للمشاركة في مسابقة لاختيار أجمل الأصوات العربية، وأن حلمها أصبح قريبًا من التحقق.
ثم بدأ ينسج حولها خيوط الثقة، حتى أخبرها أنه يمر بضائقة مالية، وأن الديون أثقلت كاهله، وطلب منها مبلغًا من المال على سبيل السلف، واعدًا إياها بأنه سيعيده إليها فور انتهاء أزمته.
لم يخطر ببال تلك الفتاة البريئة أن خلف الكلمات المهذبة رجلًا يتقن فن الخداع. كانت ترى فيه إنسانًا يحتاج إلى المساعدة، بينما كان هو يرى في براءتها فرصة سهلة للاستغلال.
أعطته كل ما كانت تملكه، وهي تظن أنها تساند إنسانًا.
لكنها اكتشفت، بعد فوات الأوان، أنها كانت ضحية محتال محترف، يجيد ارتداء الأقنعة، ويتقن التلاعب بثقة الآخرين من أجل تحقيق مصالحه الشخصية.
ولم يكن المال هو أكثر ما أوجعها، فالمال قد يُعوَّض، لكن الذي انكسر في داخلها كان أكبر من أي مبلغ.
لقد شعرت أن الرجل الذي دعمته يومًا وأسهمت في أن يعرفه الناس، قابل الوفاء بالغدر، والثقة بالخيانة.
وكان أكثر ما يؤلمها أنها شعرت بأن ما فعله لم يكن بدافع الحاجة وحدها، بل كان محاولة لتحطيمها نفسيًا.
فبعض النفوس لا يزعجها فشلها بقدر ما يزعجها نجاح الآخرين، فتسعى إلى إطفاء النور الذي لا تستطيع أن تصنع مثله.
حينها أدركت أن المحتالين لا يسرقون المال فقط، بل يسرقون الأمان، ويهدمون الثقة، ويتركون في أرواح ضحاياهم جراحًا لا يندمل.
هاتان القصتان، على اختلاف أبطالهما، تحملان الرسالة نفسها.
فالمحتال لا يبحث عن الأغنياء دائمًا، بل يبحث عن أصحاب القلوب النقية، لأنهم يمنحون الثقة دون حساب، ويصدقون أن الخير ما زال يسكن الوجوه.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول وجود هؤلاء إلى سبب نفقد معه إنسانيتنا.
فالطيبة ليست ضعفًا، والثقة ليست خطأ، لكنهما تحتاجان إلى وعي يحرسهما، حتى لا تصبح الرحمة بابًا يعبر منه أصحاب النفوس المريضة.
حفظ الله البسطاء، الذين يمنحون الخير بقلوب صادقة، وأبعد عنهم كل من اتخذ من الخداع مهنة، ومن كسر أحلام الآخرين للوصول إلى مصالحه الشخصية.

تعليقات
إرسال تعليق