التفكير الزائد.. سجنٌ بلا قضبان

 

بقلم أ. ولاء سعد عسل 


في كثير من الأحيان لا يكون أكثر ما يُرهق الإنسان هو ما يحدث حوله، وإنما ما يدور داخل عقله.

فقد يظل الإنسان لساعات يعيد التفكير في موقف حدث بالأمس، أو كلمة قالها شخص ما، أو قرار يخشى اتخاذه، أو مستقبل لم يأتِ بعد.


وهنا يظهر التفكير الزائد؛ ذلك النمط من التفكير الذي يجعل العقل يدور في دائرة مغلقة من الأسئلة والاحتمالات والسيناريوهات، دون أن يصل بالضرورة إلى حل أو نتيجة.


قد يبدأ الأمر بسؤال بسيط: ماذا لو حدث كذا؟

ثم تتوالى الأسئلة: ماذا لو أخطأت؟ ماذا سيقول الآخرون؟ ماذا لو لم أنجح؟ ماذا لو حدث الأسوأ؟

ومع كثرة التفكير يتحول الأمر من محاولة لفهم المشكلة إلى مصدر مستمر للقلق والإرهاق.


لماذا نفكر أكثر مما ينبغي؟


أحيانًا يكون التفكير الزائد ناتجًا عن الخوف من المستقبل أو الرغبة في السيطرة على الأمور، وأحيانًا يرتبط بالخوف من الخطأ أو الفشل، أو الحساسية الشديدة تجاه آراء الآخرين.


وقد يعتقد الإنسان أن التفكير المستمر سيحميه من المفاجآت، لكنه في الحقيقة قد يجعله يعيش المشكلة مرات عديدة في ذهنه قبل أن تحدث، وربما يعيش نتائج لم تحدث أصلًا.


وهنا يصبح التفكير عبئًا فالتفكير الزائد لا يستهلك الوقت فقط، بل قد يؤثر في التركيز والنوم والمزاج والقدرة على اتخاذ القرارات. ويصبح الإنسان منشغلًا بما كان وما سيكون، بينما يفقد جزءًا من قدرته على الاستمتاع بما يحدث الآن.


والأخطر أن العقل قد يبدأ في التعامل مع الاحتمالات وكأنها حقائق، فيشعر الإنسان بالخوف من أحداث ربما لن تحدث من الأساس.


كيف نخرج من دائرة التفكير الزائد؟


البداية تكون في إدراك أن ليس كل فكرة تستحق أن نمنحها وقتًا طويلًا.


يمكن أن نسأل أنفسنا:

هل أستطيع فعل شيء تجاه هذه المشكلة الآن؟

إذا كانت الإجابة نعم، فلنحدد خطوة عملية ونبدأ بها.

أما إذا كانت الإجابة لا، فعلينا أن نتعلم تقبل أن بعض الأمور خارج نطاق سيطرتنا.


كما يساعد تنظيم الوقت، والابتعاد قليلًا عن الهاتف ومواقع التواصل، وممارسة النشاط البدني، والحديث مع شخص نثق به، على تهدئة العقل وتقليل مساحة التفكير المستمر.


ومن المهم أيضًا أن نتعلم الفصل بين التفكير الذي يقود إلى حل، والتفكير الذي يعيد المشكلة نفسها دون نتيجة.


وفي النهاية..


العقل نعمة عظيمة، لكنه يحتاج إلى الراحة مثل الجسد تمامًا.

ليس مطلوبًا أن نجد إجابة لكل سؤال، ولا أن نعرف كل ما سيحدث في المستقبل.


أحيانًا يكون السلام النفسي في أن نقول لأنفسنا:


"لقد فعلت ما أستطيع، وما تبقى سأتعامل معه عندما يأتي."


فالحياة لا تحتاج إلى عقل يفكر طوال الوقت، بقدر ما تحتاج إلى عقل يعرف متى يفكر، ومتى يتوقف، ومتى يترك الأمور تسير بهدوء.

تعليقات