علاقات وتعافي بين الأمان والاستنزاف: كيف تشكّل دوائرنا القريبة سلامنا الداخلي؟
كتبت /عواطف أحمد قطب
هناك شيء يتغير في داخلنا عندما نكون مع الأشخاص الذين نشعر معهم بالأمان. نتنفس بسهولة أكبر، تسترخي أجسادنا، ونتوقف عن التفكير في كل كلمة قبل أن نقولها. لا نشعر أننا مطالبون بإخفاء ضعفنا أو تقديم صورة أفضل عن أنفسنا. نكون كما نحن، وهذا وحده يمنحنا راحة لا نجدها في كل علاقة.
وفي المقابل، هناك أشخاص قد نجلس معهم وقتًا قصيرًا، ثم نعود ونحن نشعر بإرهاق لا نفهم سببه. نعيد في أذهاننا ما قيل، ونفكر في نظراتهم وتعليقاتهم، ونتساءل إن كنا تحدثنا أكثر مما ينبغي أو أخطأنا في التعبير عن أنفسنا.
هذا الشعور ليس دائمًا مجرد انطباع عابر. فالإنسان يتأثر بما يحيط به، والعلاقات الداعمة تساعده على التعامل بصورة أفضل مع الضغوط، بينما يمكن للعلاقات التي يسودها الخوف أو النقد أو التقليل المستمر أن تجعل التوتر جزءًا من الحياة اليومية.
حين نجد شخصًا يصغي إلينا باهتمام، من دون أن يسخر من مشاعرنا أو يقلل منها، يصبح من الأسهل علينا أن نهدأ ونرى مشكلاتنا بوضوح. قد لا يملك هذا الشخص حلًا لما نمر به، لكنه يمنحنا شيئًا لا يقل أهمية عن الحلول: شعورًا بأننا لسنا مضطرين إلى مواجهة كل شيء وحدنا.
أما العلاقات المرهقة، فلا تكون دائمًا واضحة. أحيانًا لا توجد مشاجرات كبيرة، وإنما ملاحظات صغيرة تتكرر، وسخرية نعتادها، وشعور دائم بأن علينا إثبات قيمتنا أو الحذر من ردود أفعال الطرف الآخر.
ومع الوقت، قد نبدأ في النظر إلى أنفسنا بالطريقة التي اعتاد الآخرون أن ينظروا بها إلينا. يصبح النقد الخارجي صوتًا داخليًا، ونبدأ في الشك في قراراتنا وقدراتنا حتى عندما لا يكون هناك من ينتقدنا.
لكن هذا لا يعني أن العزلة هي الحل. الإنسان يحتاج إلى العلاقات، لكنه يحتاج إلى علاقات تمنحه القرب لا الاستنزاف. وليس المهم أن يكون لدينا عدد كبير من الأشخاص حولنا، بل أن نجد بينهم من نستطيع أن نكون أنفسنا أمامه من دون خوف.
لذلك، ربما يكون من المفيد أن نسأل أنفسنا بعد كل علاقة قريبة:
هل أشعر بالراحة بعد هذا اللقاء؟ هل استطعت أن أكون على طبيعتي؟ هل أشعر أنني مسموع ومحترم، أم أنني أمضيت الوقت كله في مراقبة نفسي؟
دوائرنا القريبة ليست مجرد أشخاص نلتقي بهم؛ إنها جزء من البيئة التي نعيش داخلها نفسيًا.
ولهذا، فإن اختيار من نسمح لهم بالاقتراب منا ليس رفاهية. أحيانًا تكون المسافة التي نضعها بيننا وبين علاقة تستنزفنا هي الخطوة التي تمنحنا فرصة للعودة إلى أنفسنا.

تعليقات
إرسال تعليق