علاقات وتعافي فخ «المنقذ»: عندما تحرق نفسك لترميم الآخرين


كتبت /عواطف أحمد قطب

أحيانًا لا ننجذب إلى الشخص لأنه يناسبنا، بل لأننا نشعر أنه يحتاج إلينا.

نرى فيه وجعًا قديمًا، أو تجربة قاسية، أو حياة مضطربة، فنشعر برغبة في الاقتراب منه ومساعدته. ومع الوقت، قد تتحول المساعدة إلى دور كامل نعيش داخله: نسمع، ونحتوي، ونحل المشكلات، ونحاول أن نعيد ترتيب حياة الشخص الآخر، حتى ننسى أن لنا حياة نحتاج إلى ترتيبها أيضًا.

هنا يبدأ فخ «المنقذ».

قد يكون وراء هذا السلوك احتياج عميق إلى الشعور بأننا مهمون. كأننا نقول لأنفسنا، من دون أن ندرك: إذا احتاجني، فلن يتركني.

لكن العلاقة التي تقوم على الاحتياج وحده تصبح مرهقة مع الوقت. أحد الطرفين يعطي باستمرار، والآخر يتلقى، ثم تختفي المسافة بين الحب والرعاية من جهة، وتحمل مسؤولية حياة الآخر من جهة أخرى.

ليس خطأ أن تقف إلى جوار شخص تحبه في وقت صعب. الخطأ أن تعتقد أن تعافيه مسؤوليتك.

يمكنك أن تستمع، وتساند، وتشجع، لكن لا يمكنك أن تخوض معاركه بدلًا منه. القرار الذي يجب أن يتخذه هو، والتغيير الذي يحتاج إليه يبدأ منه.

والثمن الذي يدفعه «المنقذ» غالبًا لا يظهر في البداية. يظهر عندما يكتشف أنه صار يعرف تفاصيل أزمات الآخر أكثر مما يعرف ما يحدث في حياته هو. يظل منشغلًا بمشكلاته، ويتابع حالته، ويحاول إنقاذه من نتائج اختياراته، بينما تتراكم داخله مشاعر التعب والضيق وربما الغضب.

وأحيانًا تحدث مفارقة مؤلمة: عندما يتعافى الشخص الذي أنفقنا طاقتنا في إنقاذه، قد لا يعود بحاجة إلى العلاقة بالشكل نفسه. عندها ندرك أن جزءًا كبيرًا من الرابط بيننا كان قائمًا على دوره كمن يحتاج، ودورنا كمن ينقذ.

لذلك، لا تجعل حاجة الآخرين إليك معيارًا لاختيار علاقاتك.

ابحث أيضًا عن شخص يستطيع أن يقف بجوارك، لا شخص ينتظر منك أن تحمله طوال الطريق. ابحث عن علاقة فيها أخذ وعطاء، ومساحة لكل طرف كي يعيش حياته ويتحمل مسؤولية نفسه.

واسأل نفسك بصدق:

لو توقفت اليوم عن حل مشكلات هذا الشخص، ماذا سيبقى بيننا؟

قد تكون الإجابة مريحة، وقد تكون مؤلمة، لكنها في الحالتين تستحق أن تُعرف.

فالحب ليس أن تنقذ شخصًا على حساب نفسك، ولا أن تقضي عمرك في ترميم ما لا يريد صاحبه إصلاحه.

أحيانًا يكون أكثر ما يمكنك فعله لمن تحب أن تقف إلى جواره، لا أن تعيش حياته بدلًا منه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية