قرار لا يُشترى وسيادة لا تُستأجر.. مصر في ميزان القرار الاستقلالي


كتب/ معالى اللواء سامى محمود دنيا

تتصدر المشهد السياسي أحياناً نقاشات تعكس سطحية القراءة الاستراتيجية، كمن يتوهم أن دولة بحجم مصر تقف في طابور الانتظار لاسترضاء الأطراف أو استجداء المواقف. وحين يتردد كلام مفاده أن هناك رفضا إقليميا لانضمام مصر إلى ترتيبات دفاعية بعينها، فإن العقل الرشيد يعود ليتأمل القاعدة الأبسط في فلسفة الأوطان، وتلك التي تتجلى بوضوح في أبسط الأمثال المعاصرة؛ فحين نتأمل تجربة نجم بحجم محمد صلاح، نجد أن الأموال وحدها لا تكفي لصياغة قراره، وأن قيمته ومبدأ اختياره أسمى من أن يُقاسا بعدد الأصفار في العقود الضخمة. وإذا كان الفرد يدرك أن المبدأ لا يُشترى، فكيف بدولة راسخة الجذور كـمصر، التي لا تُقاس بمنطق العروض والمقابل، ولا تدخل تحالفا إلا عن قناعة تامة بأن مصالح أمنها القومي وأفقها الاستراتيجي يتطلبان ذلك.

إن الوقائع المتداولة حول اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي وُقّع في السابع من أغسطس من عام ألفين وستة وعشرين بين السعودية وتركيا وباكستان، وما أُثير حول تشابهه مع المادة الخامسة في حلف الناتو وتناغم صياغاته مع بعض الدوائر في البيت الأبيض، تفتح الباب أمام تساؤل جوهري بعيد عن لغة السطحية: هل طلبت مصر أصلاً الانضمام، أم أن القرار المصري ينبع من رؤية مستقلة ترتبط ارتباطا وثيقا بالملفات الكبرى التي تشغل أولوياتها الاستراتيجية من نهر النيل إلى الحدود الغربية والجنوبية، والبحر الأحمر وسيناء، والعمقين العربي والإفريقي؟

إن غياب مصر عن أي ترتيب إقليمي لا يعني بأي حال من الأحوال عزلتها، كما أن مجرد التلويح بدعوة لا يمثل صكا مفروضا يوجب القبول. فمصر لا تحتاج شهادة حسن سلوك من أحد، وقرارها السيادي عصي على الشراء، وجيشها العريق ذو عقيدة وطنية ثابتة لا تُستأجر ولا تخضع لأهواء التحالفات العابرة أو الحسابات الظرفية. وحدها مصر من تحدد مكانتها على خريطة الجغرافيا والسياسة، وتختار حلفاءها بميزان الدقة والتكافؤ والمصلحة الوطنية العليا، دون أن تلتفت إلى ضوضاء اللحظة أو محاولات توظيف الحدث لخدمة أجندات خارجية لا تخصها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني