حين يصبح الوجع لغة لا يفهمها الا من تعلم فن الاصغاء ليس كل انسان يتألم يستطيع ان يقول انا اتألم وليس كل من يصمت يكون بخير

 

#تأملات_ناصر_زاهر


#العلاج_بالموسيقى


#هندسة_الوعي_الموسيقي


كتب /معالى السفير د. ناصر زاهر


هناك وجع يختبئ خلف الابتسامة وهناك خوف يتحول الى عصبية وهناك حزن يتنكر في صورة انشغال دائم وهناك ارهاق يجعل الانسان يستمر في حياته بينما جزء منه يتمنى فقط ان يتوقف قليلا


ولهذا ربما كانت احدى اكبر مشكلاتنا اننا تعلمنا كيف نتحدث كثيرا ولم نتعلم كيف نصغي


نصغي للكلمات وننسى ما وراءها


نرى السلوك وننسى الرسالة


نسمع الصوت وننسى النغمة


نلاحظ الحركة وننسى ما الذي تحاول ان تقوله


وهنا تبدأ الموسيقى في كشف جانب مختلف من الانسان


لان الموسيقى لا تتعامل مع اللغة باعتبارها كلمات فقط


انها تتعامل مع الايقاع والنبرة والسرعة والتكرار والصمت والحركة


وكل هذه الاشياء موجودة في الانسان قبل ان يتعلم الكلام


فالطفل لا يحتاج في بداياته الى قاموس حتى يعبر عن فرحه


يضحك


يتحرك


يصدر اصواتا


يكرر


ثم يكتشف الايقاع


ثم تأتي الكلمات بعد ذلك


ومن هنا يمكن ان نفهم لماذا تستطيع الموسيقى ان تفتح ابوابا في النفس قد لا تستطيع الكلمات وحدها فتحها


لانها تعود بنا الى طبقة اقدم من التعبير


الى المكان الذي كان فيه الشعور موجودا قبل ان يصبح له اسم


وهذا يجعل العلاج بالموسيقى رحلة مختلفة


المعالج لا يبحث فقط عن اللحن الجميل


بل يبحث عن المعنى الموجود خلف الاستجابة


لماذا تحرك الطفل عندما سمع هذا الايقاع


لماذا تغيرت ملامح هذا الشخص عندما بدأت هذه الاغنية


لماذا اختار هذه الآلة دون غيرها


لماذا كرر نفس النغمة


ولماذا صمت في هذه اللحظة تحديدا


كل ذلك يمكن ان يكون جزءا من الحوار


حوار لا يعتمد دائما على الكلام


وفي عالم ذوي الهمم تظهر هذه الحقيقة بصورة اكثر وضوحا


فالاختلاف في القدرة على الكلام لا يعني غياب العالم الداخلي


والصمت لا يعني الفراغ


وعدم القدرة على التعبير اللفظي لا يعني عدم وجود رغبة في التواصل


قد يكون الانسان لديه الكثير ليقوله لكنه لا يملك الطريق المعتاد لقوله


وهنا يصبح دور الموسيقى هو فتح طريق آخر


إيقاع يقول انا موجود


حركة تقول انا اريد المشاركة


نغمة تقول انا اشعر


وتفاعل بسيط مع آلة موسيقية يمكن ان يتحول الى لحظة تواصل حقيقية


وهذه اللحظة بالنسبة للمعالج ليست مجرد لحظة موسيقية


انها لحظة انسانية


لان الانسان عندما يشعر ان صوته مسموع يبدأ في اكتشاف قيمته


وعندما يشعر ان الآخرين يفهمونه يبدأ في الاقتراب منهم


وعندما يجد وسيلة للتعبير يصبح اكثر قدرة على تنظيم مشاعره والتعامل مع عالمه


وهنا نكتشف ان الموسيقى ليست دائما عن الصوت


احيانا تكون عن العلاقة


عن المساحة التي نصنعها بين شخصين حتى يشعر احدهما انه ليس وحده


وهذا المعنى يتجاوز حدود العلاج بالموسيقى الى الحياة نفسها


كم من علاقة انتهت لان طرفا كان يريد ان يسمع والطرف الآخر كان يريد ان يفهم


كم من طفل عوقب على سلوك كان في الحقيقة رسالة


وكم من انسان وصفناه بالعصبي بينما كان في الحقيقة مرهقا


وكم من شخص اتهمناه بالبرود بينما كان يخاف من الاقتراب


لو تعلمنا ان نصغي الى الانسان كما نصغي الى الموسيقى لتغيرت اشياء كثيرة في حياتنا


في الموسيقى لا نكره النغمة لانها مختلفة


ولا نطلب من كل آلة ان تصدر الصوت نفسه


البيانو ليس كالناي


والطبل ليس كالعود


والصمت ليس كالصوت


ومع ذلك عندما تتكامل الاختلافات يمكن ان تولد موسيقى


وكذلك البشر


ليس مطلوبا ان يصبح الجميع نسخة واحدة حتى نعيش معا


المطلوب ان نتعلم كيف ننسجم رغم الاختلاف


وهنا تمتد الفكرة من العلاج الى الوعي


فربما يكون الانسان في حاجة الى ان يتوقف عن محاولة تغيير كل من حوله حتى يصبحوا على ايقاعه


ويبدأ في تعلم شيء اكثر نضجا


ان يسمع ايقاع الآخر


وان يفهم اختلافه


وان يعرف متى يتقدم ومتى يترك مساحة


متى يتحدث ومتى يصمت


متى يعزف ومتى ينصت


وهذا هو جوهر الانسجام


ليس ان تختفي الاختلافات


بل ان تجد الاختلافات طريقة للعيش معا دون ان يلغي احدها الآخر


اما الروح ففيها مساحة لا تصل اليها الكلمات بسهولة


قد يهدأ الانسان عندما يجد لحظة صدق مع نفسه


وقد يشعر بالقرب من معنى اكبر عندما يخرج من صخب الحياة


والموسيقى يمكن ان تساعد على خلق هذه المساحة من السكون والتأمل


لكنها لا تحل محل الايمان ولا تحل محل العلاج النفسي او الطبي عند الحاجة


هي وسيلة من وسائل الاقتراب


جسر بين ما يشعر به الانسان وما يستطيع التعبير عنه


وبين ما يعيشه في داخله وما يستطيع مشاركته مع الآخرين


ولعل اعظم ما يمكن ان نتعلمه من الموسيقى هو ان كل شيء يحتاج الى ايقاع مناسب


الحزن يحتاج الى مساحة


والفرح يحتاج الى حضور


والغضب يحتاج الى احتواء


والخوف يحتاج الى امان


والانسان يحتاج قبل كل شيء الى من يسمعه دون ان يحاكمه


لذلك فانني لا ارى المعالج بالموسيقى شخصا يشغل الموسيقى للمريض


بل اراه انسانا يتعلم كيف يصغي الى انسان آخر بطريقة مختلفة


يصغي الى صوته


والى صمته


والى حركته


والى اختياراته


والى تكراره


والى تغيره


ثم يحاول ان يحول هذه الاشارات الى طريق يساعده على التواصل والنمو والتعبير


وربما تكون الرسالة الاكثر عمقا هنا ان الانسان لا يحتاج دائما الى من يزيل عنه وجعه


بل يحتاج احيانا الى من يساعده على فهم لغة وجعه


لان الألم عندما يجد لغة يصبح اقل غموضا


والشعور عندما يجد مساحة يصبح اقل اختناقا


والانسان عندما يجد من يصغي اليه يبدأ في استعادة شيء كان قد فقده منذ زمن


الثقة في صوته


وفي وجوده


وفي حقه في ان يكون كما هو


ومن هنا تبدأ الموسيقى في تجاوز كونها فنا


وتصبح فعلا انسانيا


تذكرنا بأن وراء كل سلوك قصة


ووراء كل صمت رسالة


ووراء كل انسان عالم كامل لا يمكن اختصاره في كلمة واحدة


فربما لا يحتاج العالم اليوم الى مزيد من الاصوات بقدر ما يحتاج الى مزيد من الآذان التي تعرف كيف تسمع


وربما لا يحتاج الانسان المتعب الى شخص يخبره كيف يعيش


بقدر ما يحتاج الى شخص يجلس بجواره حتى يسمع من داخله النغمة التي فقدها


وعندما يجدها


لا يعود الهدف ان نعزف له الحياة


بل ان نساعده حتى يستطيع هو ان يعزفها من جديد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية