سرُّ الأرقام في القرآن الكريم تأملات إيمانية في الرقمين سبعة واثنين
كتب/ د. عبد الحكيم المغربي
مستشار ومفكر إسلامي
عندما نتدبر القرآن الكريم، نجد أن بعض الأرقام تتكرر في مواضع متعددة، وترتبط بالخلق والعبادة والرزق ومشاهد يوم القيامة. وليس المقصود أن نحول القرآن إلى ألغاز حسابية، وإنما أن نتأمل في دقة التعبير القرآني وعظمة هذا الكتاب.
ومن أكثر الأرقام التي تستوقف المتدبر الرقم سبعة.
قال الله تعالى:
﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾
[البقرة: 29].
فالرقم سبعة حاضر في خلق السماوات، ونراه كذلك في عدد من العبادات والشعائر؛ فنطوف حول الكعبة سبعة أشواط، ونسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط، ونرمي الجمار بسبع حصيات.
وقال رسول الله ﷺ:
«أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ»
متفق عليه.
ويقول الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾
[الحجر: 87].
ويظهر الرقم سبعة كذلك في أمثلة القرآن، كما في قوله تعالى:
﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ﴾
[البقرة: 261].
سبعة في طعام الإنسان
ومن أجمل المواضع التي تدعو إلى التأمل قول الله تعالى:
﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾
[عبس: 24–31].
ففي هذا السياق القرآني تتوالى أنواع الرزق والنبات التي يتأمل فيها الإنسان، ومنها: الحب، والعنب، والقضب، والزيتون، والنخل، والفاكهة، والأبّ، مع ذكر الحدائق الغلب بينها.
وهنا يتوقف المتدبر أمام حضور الرقم سبعة مرة أخرى، دون أن نجزم بأن الآيات جاءت لإثبات قاعدة عددية محددة.
وسبعة شهود على الإنسان
وعند التأمل في النصوص القرآنية، نجد كذلك سبعة أوجه من الشهادة على الإنسان يوم القيامة: الله سبحانه، والملائكة، والرسل، وأمة محمد ﷺ، وجوارح الإنسان، والأرض، وكتاب أعماله.
قال تعالى:
﴿وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾
[النساء: 79].
وقال سبحانه:
﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾
[النساء: 41].
وقال:
﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
[يس: 65].
وقال:
﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾
[الزلزلة: 4].
وقال:
﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾
[الإسراء: 14].
وكأن الرسالة للإنسان واضحة: لا شيء يضيع، وكل عمل له شاهد.
أما الرقم اثنان
فمن أجمل ما يستوقف المتدبر في آية الكرسي ما نراه من الثنائيات البديعة في نظم الآية:
﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ … وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾
[البقرة: 255].
تأمل:
﴿سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾،
﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾،
﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾،
ثم ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾.
إنها مقابلات تجمع معاني عظيمة في آية واحدة، وتكشف عن إحاطة الله سبحانه بالخلق والملك والعلم.
ومن اللافت أن ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ وردت في القرآن في موضعين: في آية الكرسي، وفي سورة الشورى.
لكن العبرة ليست في الرقم وحده، وإنما في المعنى الذي يقودنا إليه.
فالقرآن الكريم ليس كتاب أرقام، وإنما كتاب هداية، قال تعالى:
﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
[ص: 29].
وهكذا تبقى الأرقام في القرآن بابًا من أبواب التدبر، لا مجالًا للتكلف أو تحميل الآيات ما لا تحتمل.
إن أعظم سر في القرآن ليس رقمًا نكتشفه، وإنما هدايةٌ نعيشها.
فكلما أعدنا قراءة كتاب الله بعين القلب والعقل، ازددنا يقينًا بعظمة كلام الله، وقلنا:
سبحان من أنزل القرآن هدايةً للناس، وجعل في آياته من العبر والدلائل ما يزيد المؤمن إيمانًا ويقينًا.

تعليقات
إرسال تعليق