أنا... قلبي وعقلي
كتبت /د.تغريد يحيى الطباخي
منذ أن وعيتُ على الحياة، وأنا أعيش بين صوتين لا يفترقان؛ صوتٍ يسكن القلب، وصوتٍ يخرج من العقل. كلاهما يريد الخير لي، لكن لكلٍ منهما طريقته في الرؤية، ولكلٍ منهما منطقه الذي لا يشبه الآخر. وبينهما أمضي، أتعلم، وأتعثر، وأقف، ثم أعود لأواصل المسير.
قلبي لا يعرف الحسابات، يؤمن بالمحبة قبل المصلحة، وبالوفاء قبل المكاسب، وبالصدق حتى وإن كان ثمنه الألم. يفتح أبوابه للناس، ويغفر كثيرًا، ويحسن الظن، ويرى في كل إنسان جانبًا مضيئًا يستحق فرصة جديدة. ولذلك كثيرًا ما يتعب، لأنه يمنح دون أن ينتظر، ويثق دون أن يضع الأسوار.
أما عقلي، فهو الحارس الذي يقف عند بوابة الحياة. يسأل قبل أن يصدق، ويفكر قبل أن يقرر، ويراجع قبل أن يخطو. يذكرني بأن الحياة ليست كلها قلوبًا بيضاء، وأن التجارب كُتبت لنتعلم منها، لا لنكررها. يعلم أن الحكمة ليست في كثرة العطاء، بل في معرفة لمن نعطي، ومتى نعطي، وكيف نحفظ أنفسنا من الخذلان.
وكم كانت بينهما معارك صامتة! حين أحببت أشخاصًا لم يعرفوا قيمة المحبة، كان قلبي يقول: "اصبر، فربما يتغيرون." بينما كان عقلي يهمس: "من لا يقدّر وجودك، لا تستنزف عمرك في انتظاره." وحين واجهت المواقف الصعبة، كان قلبي يريد أن يسامح سريعًا، بينما كان عقلي يطالبني ألا أنسى الدرس.
لكنني مع مرور السنوات أدركت أن القلب وحده قد يقود إلى الانكسار، وأن العقل وحده قد يقود إلى القسوة. وأن أجمل القرارات هي تلك التي يجلس فيها القلب والعقل على طاولة واحدة، فيستمع كلٌّ منهما إلى الآخر، فلا يطغى الإحساس على الحكمة، ولا تطفئ الحكمة دفء المشاعر.
لقد علمني قلبي أن الرحمة قوة، وأن الكلمة الطيبة قد تغيّر حياة إنسان، وأن الابتسامة صدقة، وأن أجمل ما يملكه الإنسان قلبٌ لا يحمل حقدًا ولا يعرف الكراهية. وعلمني عقلي أن الكرامة لا تُساوَم، وأن الوقت أثمن من أن يُهدر مع من لا يستحق، وأن النجاح يحتاج إلى صبرٍ وعملٍ وتخطيط، لا إلى أمنياتٍ فقط.
واليوم، لم أعد أطلب من قلبي أن يتوقف عن الحب، ولا من عقلي أن يتوقف عن التفكير، بل أطلب منهما أن يتعاونا. فالقلب يمنح للحياة معناها، والعقل يمنحها اتجاهها. القلب يجعلنا بشرًا، والعقل يجعلنا حكماء.
أنا لست قلبي وحده، ولا عقلي وحده، بل أنا ذلك التوازن الجميل بين نبضٍ يشعر، وفكرٍ يميّز، وروحٍ تؤمن أن أجمل حياة هي التي لا يُهزم فيها القلب، ولا يُغيَّب فيها العقل.
وفي نهاية المطاف، يبقى القلب هو المكان الذي نسكنه، ويبقى العقل هو النور الذي يرشدنا. فإذا صلح القلب بالإيمان، واستنار العقل بالحكمة، أصبحت الحياة أكثر طمأنينة، وأصبح الإنسان قادرًا على أن يحب دون ضعف، وأن يعقل دون قسوة، وأن يمضي في طريقه ثابت الخطى، راضي النفس، مطمئن الروح.
أنا... قلبي وعقلي، حكاية عمرٍ كامل؛ أجمل انتصار هو أن أبقى إنسانًا.

تعليقات
إرسال تعليق