حين تُقاس قيمة الوطن بكرامة الإنسان… لا بشعارات الحكومات


كتب معالى اللواء سامى محمود دنيا

ليست قوة الأوطان فيما تمتلكه من ثروات، ولا في عدد أبراجها الشاهقة، ولا في حجم جيوشها أو اتساع مدنها، وإنما تُقاس قوتها الحقيقية بمدى احترامها للإنسان، وحفظ كرامته، وصون حقوقه، وإحساس المواطن والمقيم فيها بأن الدولة تقف إلى جواره في أوقات الشدة قبل الرخاء.

تحكي قصة أسرة سودانية لاجئة في ألمانيا عن موقف أثار دهشة الكثيرين. فبعد أن تكفلت الدولة في البداية بإيجار المسكن ومصاريف الخدمات لفترة محددة، تأخر رب الأسرة ذات يوم عن سداد فاتورة الكهرباء، فانقطعت الخدمة عن منزله. تعامل الرجل مع الأمر ببساطة، فقد اعتاد في وطنه أن انقطاع الكهرباء أمر متكرر، واشترى الشموع ليقضي بها الأيام حتى يتمكن من السداد.

لكن المفاجأة لم تكن في انقطاع الكهرباء، بل في رد فعل المجتمع. فقد لاحظ الجيران أن المنزل يعيش في الظلام، فسارعوا للاطمئنان على الأسرة، وعندما علموا بسبب المشكلة لم يعتبروا الأمر شأنًا عاديًا، بل رأوه وضعًا لا يليق بأسرة تضم أطفالًا. فقدموا المساعدة، وتحركوا بدافع إنساني خالص، حتى تحولت القصة إلى قضية رأي عام، دفعت شركة الكهرباء إلى الاعتذار وتعويض الأسرة.

قد تختلف الروايات في بعض تفاصيلها، ولا يمكن الجزم بصحة جميع ما يُتداول حولها، لكن الرسالة التي تحملها القصة تظل جديرة بالتأمل. فالمجتمعات المتحضرة لا تبني قوتها على العقوبات وحدها، بل على الشعور بالمسؤولية، واحترام الإنسان، وسرعة معالجة المشكلات التي تمس حياته اليومية.

الوطن الحقيقي ليس مجرد قطعة أرض نعيش عليها، بل منظومة من القيم والحقوق والواجبات. هو المكان الذي يشعر فيه الإنسان بأن كرامته مصونة، وأن القانون يحميه، وأن المؤسسات تعمل لخدمته، وأن المجتمع لا يدير ظهره لمن يتعثر، بل يمد إليه يد العون حتى ينهض من جديد.

إن بناء الدول لا يبدأ من الخرسانة ولا من الشعارات الرنانة، وإنما يبدأ من بناء الإنسان، ومن ترسيخ ثقافة الرحمة والعدالة والمحاسبة واحترام الوقت والحقوق. فكل مسؤول، مهما كان موقعه، ينبغي أن يدرك أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن نجاحه الحقيقي يُقاس بما يقدمه للناس من خدمات، لا بما يردده من وعود.

ولعل أعظم الدروس التي نستخلصها أن الحضارة ليست مجرد تقدم مادي، وإنما هي أخلاق في التعامل، وعدالة في التطبيق، وشفافية في الإدارة، وشعور دائم بأن الإنسان هو أغلى ما تملكه الأوطان.

تعليقى الختامى : إن الأمم لا تُخلّدها المباني، بل يخلّدها العدل، ولا تصنع هيبتها القوة وحدها، بل يصنعها احترام الإنسان. فحين تصبح كرامة المواطن أولوية، يتحول الوطن إلى بيت كبير يحتضن أبناءه، وحين يغيب هذا المعنى، تصبح كل الإنجازات ناقصة مهما بلغت عظمتها.

وصلّوا على الحبيب المصطفى

بحبكم في الله…

تعليقات