السياسة المصرية.. من قراءة التاريخ إلى صناعة المستقبل

 

كتبت / د. فايزة خطاب

دكتوراه التاريخ الحديث والمعاصر والعلاقات الدولية

باحثة في الدراسات السياسية والاستراتيجية


في 23 أغسطس 1939، وقّعت ألمانيا النازية والاتحاد السوفيتي اتفاق عدم اعتداء عُرف باسم «مولوتوف–ريبنتروب»، في واحدة من أكثر اللحظات دلالة في تاريخ العلاقات الدولية قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية. كان المشهد يحمل مفارقة واضحة؛ نظامان متناقضان أيديولوجيًا وسياسيًا يجلسان إلى طاولة واحدة، ويتوصلان إلى تفاهم مؤقت في وقت كانت فيه أوروبا تقف على حافة حرب كبرى.


لم يكن ذلك التفاهم تعبيرًا عن تقارب فكري أو سياسي بين الطرفين، وإنما جاء نتيجة حسابات استراتيجية فرضتها طبيعة المرحلة. أرادت ألمانيا تأمين جبهتها الشرقية قبل التوسع في أوروبا، بينما سعى الاتحاد السوفيتي إلى كسب الوقت وإعادة ترتيب حساباته الأمنية. وارتبط الاتفاق ببروتوكول سري حدد مناطق نفوذ في أوروبا الشرقية، ثم جاءت التطورات سريعًا؛ فغزت ألمانيا بولندا في الأول من سبتمبر 1939، ودخلت القوات السوفيتية شرقها في 17 سبتمبر.


وبغض النظر عن النتائج الكارثية التي انتهى إليها هذا التفاهم، فإن الحدث يقدم درسًا يتجاوز تفاصيله التاريخية: الدول لا تتحرك في السياسة الدولية وفق المشاعر، وإنما وفق حسابات المصلحة والقوة والأمن والفرص فقط.


تكشف التجربة التاريخية أن الدول قد تغير أدواتها دون أن تغير أهدافها الأساسية. فقد تستخدم دولة ما التحالف، وفي مرحلة أخرى التفاوض، ثم تلجأ إلى الوساطة أو الشراكة الاقتصادية أو إعادة ترتيب علاقاتها الدولية، وفقًا لما تفرضه البيئة المحيطة. وهنا تكمن الحنكة السياسية؛ فالمرونة لا تعني التراجع، كما أن التفاوض لا يعني التنازل، وتعدد الشراكات لا يعني التبعية. الدولة التي تمتلك رؤية استراتيجية تعرف أن ثبات الهدف لا يستلزم ثبات الأداة.


ويمكن الاستفادة من الدرس على مستوى أعمق: كيف تدير الدولة مصالحها في بيئة دولية متغيرة دون أن تفقد قدرتها وامكاناتها؟


وهنا تبرز خصوصية الموقع المصري. فمصر تتحرك في دوائر متداخلة: عربية وأفريقية ومتوسطية ودولية، وتتعامل مع ملفات ترتبط بالأمن الإقليمي والطاقة والتجارة والهجرة والممرات البحرية والاستثمار والأزمات الممتدة. وفي مثل هذه البيئة، لا تكون القوة في الانحياز الدائم إلى محور واحد، وإنما في امتلاك القدرة على الحركة بين دوائر متعددة، مع الحفاظ على وضوح المصالح الوطنية. فالدولة التي تمتلك أكثر من خيار تكون أكثر قدرة على التفاوض، وأكثر قدرة على حماية مصالحها عندما تتغير الظروف. ومن هنا فإن تنويع العلاقات الدولية لا ينبغي أن يُفهم باعتباره ترددًا أو غيابًا للموقف، وإنما باعتباره وسيلة لبناء بدائل استراتيجية أوسع.


وفي الحالة المصرية، فإن تطوير العلاقات مع قوة دولية لا يعني بالضرورة التخلي عن العلاقات مع قوة أخرى. العلاقات مع الولايات المتحدة لا تمنع تطوير الشراكة مع الصين، والعلاقات مع أوروبا لا تلغي التعاون مع روسيا، والانتماء العربي لمصر يتكامل مع عمقها الأفريقي والمتوسطي. فالسؤال هنا كيف توظف مصر علاقاتها المختلفة لخدمة أهدافها الوطنية؟


وهنا يظهر الفارق بين تعدد العلاقات وتعدد التبعية؛ فالأول يوسع الخيارات، أما الثاني فيقيد القرار.


وتصبح الدبلوماسية في هذا السياق إحدى أدوات القوة الوطنية. فالقوة في العلاقات الدولية لا تعني فقط امتلاك القدرات العسكرية والاقتصادية، وإنما تشمل أيضًا قدرة الدولة على التواصل والتفاوض وإدارة الأزمات وبناء الشراكات. وفي منطقة تتداخل فيها الأزمات الإقليمية مع مصالح القوى الدولية، فإن امتلاك قنوات اتصال مفتوحة مع أطراف مختلفة يمثل في حد ذاته ورقة قوة.

والدولة التي تستطيع أن تتحدث مع أطراف متعددة تكتسب قدرة أكبر على التأثير. ومن هنا تأتي قيمة الدبلوماسية المصرية، ليس فقط باعتبارها أداة لعرض المواقف، وإنما كوسيلة للحفاظ على مساحة الحركة والمساهمة في إدارة الأزمات والدفاع عن المصالح المصرية في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.


وتقدم قناة السويس مثالًا واضحًا على الفرق بين امتلاك عنصر قوة واستثماره. فالموقع الجغرافي الاستراتيجي لا يتحول تلقائيًا إلى نفوذ؛ والقيمة الحقيقية تظهر عندما تستطيع الدولة تطوير هذا الموقع وربطه بالاقتصاد والاستثمار والتجارة والخدمات والبنية التحتية. ومن هنا لا تصبح قناة السويس مجرد ممر مائي، وإنما أحد عناصر المكانة الاستراتيجية المصرية في الاقتصاد العالمي.

الموقع يمنح الدولة فرصة، لكن السياسة والاقتصاد والقدرة المؤسسية هي التي تحول الفرصة إلى قوة.

ويمتد هذا المفهوم إلى عناصر أخرى من القوة المصرية، من الموقع الجغرافي والقدرات البشرية إلى الحضور الإقليمي والشبكة الواسعة من العلاقات الدولية.

وتمثل العلاقات المصرية–الصينية نموذجًا مهمًا لفكرة تنويع الشراكات. فالتعاون مع الصين يرتبط بالاقتصاد والاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا، لكنه يأتي في الوقت نفسه في سياق أوسع يشهد تحولًا في مركز الثقل الاقتصادي العالمي وصعود قوى جديدة.

وهنا تظهر الحنكة السياسية في معناها العملي: أن تزيد الدولة خياراتها دون أن تفقد قدرتها على اتخاذ قرارها بنفسها. فالهدف من تنويع الشراكات ليس استبدال طرف بآخر، وإنما خلق مساحة أوسع للمصلحة الوطنية.

وقد تغير مفهوم القوة نفسه. فبينما كان يرتبط في بدايات القرن العشرين بدرجة كبيرة بالجيش والأرض والتحالفات العسكرية، أصبحت القوة اليوم أكثر تركيبًا؛ فالاقتصاد قوة، والتكنولوجيا قوة، والطاقة قوة، والمعلومات قوة، والموانئ والممرات البحرية قوة، والاستثمار والأسواق قوة، والدبلوماسية والقوة الناعمة أدوات تأثير كذلك.

ولهذا فإن الدولة الأكثر قدرة على حماية مصالحها ليست بالضرورة الدولة التي تمتلك أداة واحدة بأكبر قدر، وإنما الدولة التي تستطيع دمج أدوات قوتها المختلفة في رؤية واحدة. وهنا تتحول السياسة الخارجية من نشاط منفصل عن الدولة إلى جزء من منظومة القوة الوطنية.


ولم يكن اتفاق 1939 نموذجًا للاستقرار؛ فقد انهار عندما تغيرت حسابات الأطراف، وتحول التفاهم إلى مواجهة مباشرة. لكن الدرس الذي يبقى من هذه التجربة هو أن العلاقات الدولية تتحرك في بيئة متغيرة، وأن الدول التي لا تدرك اتجاهات التحول قد تجد نفسها أمام واقع لم تستعد له.


وفي المقابل، فإن الدولة التي تقرأ التحولات مبكرًا تستطيع أن تزيد من خياراتها، وتبني قدراتها، وتعيد ترتيب علاقاتها، وتستخدم أدواتها السياسية والاقتصادية والدبلوماسية بصورة أكثر فاعلية. وهنا يظهر الفارق بين السياسة كإدارة يومية للأحداث، والسياسة كأداة لصناعة موقع الدولة.


والعالم اليوم يتجه نحو مزيد من التعدد في مراكز القوة، ولم تعد العلاقات الدولية محكومة بصورة كاملة بمركز واحد. وهذا التحول يفرض على الدول الإقليمية أن تعيد التفكير في مفهوم القوة. وبالنسبة إلى مصر، لا يتعلق الأمر باختيار قوة كبرى والارتباط بها، وإنما ببناء شبكة متوازنة من العلاقات تخدم المصالح الوطنية وتمنح الدولة هامشًا أوسع للحركة.


وهذا يتطلب وضوح الهدف، وتنوع الأدوات، والقدرة على إدارة التوازنات. فإذا كان الهدف واضحًا، يمكن تغيير الأداة، وإذا تعددت الأدوات، تقل تكلفة الاعتماد على خيار واحد، وإذا امتلكت الدولة القدرة على إدارة التوازنات، أصبح تعدد العلاقات مصدر قوة وليس مصدر تناقض.


لكن السياسة التي تكتفي بإدارة اللحظة قد تنجح في التعامل مع الأزمة، دون أن تصنع بالضرورة المستقبل. أما السياسة الاستراتيجية فتتجاوز رد الفعل إلى قراءة الاتجاهات، ورصد التحولات في موازين القوة، واستشراف السيناريوهات المحتملة، ثم بناء رؤية تسمح للدولة بالاستعداد للمستقبل قبل أن يتحول إلى واقع مفروض عليها.


ومن هنا تصبح القدرة على استشراف المستقبل جزءًا من القوة الوطنية؛ لأن الدولة التي تعرف إلى أين يتحرك العالم تستطيع أن تحدد موقعها قبل أن تتشكل ملامح النظام الجديد، وأن تنتقل من التعامل مع الأحداث إلى التأثير في مساراتها.


فالحركة السياسية ليست غاية في ذاتها. قيمتها الحقيقية تظهر عندما تؤدي إلى نتائج ملموسة: شراكات أفضل، فرص اقتصادية أكبر، قدرة أعلى على إدارة الأزمات، مساحة أوسع لاتخاذ القرار، وحضور أكثر تأثيرًا في القضايا الإقليمية والدولية، إلى جانب القدرة على تحديد الاتجاهات وبناء رؤية طويلة المدى.


ومن هنا فإن نجاح السياسة الخارجية لا يقاس فقط بعدد العلاقات التي تبنيها الدولة، وإنما بقدرتها على تحويل هذه العلاقات إلى أدوات تخدم أهدافها الوطنية، وتوسيع قدرتها على التأثير، والاستعداد للتحولات المقبلة.


والتاريخ لا يقول لنا ماذا نفعل، لكنه يعلمنا كيف نفكر. يعلمنا أن المصالح تتغير، وأن موازين القوة تتحول، وأن التحالفات ليست ثابتة، وأن الدولة التي تمتلك القدرة على قراءة اللحظة تستطيع أن تتعامل مع التحول بدل أن تكون ضحية له.


إن الحنكة السياسية ليست مناورة من أجل المناورة، وليست تنازلًا عن المبادئ، وإنما هي فن إدارة المصالح في عالم لا تتوقف فيه موازين القوة عن التغير. والدولة الذكية ليست التي تختار طرفًا واحدًا لتقف خلفه، ولا التي تحاول إرضاء الجميع، وإنما التي تعرف مصالحها بدقة، وتبني قوتها، وتنوع شراكاتها، وتحافظ على استقلال قرارها، وتعرف متى تتحرك ومتى تفاوض ومتى تنتظر، والأهم أن تعرف إلى أين تتجه.


وفي الحالة المصرية، تكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة بحكم موقع مصر وثقلها الإقليمي وتشابك دوائرها العربية والأفريقية والمتوسطية والدولية. فكلما نجحت مصر في تحويل موقعها إلى نفوذ، وعلاقاتها إلى شراكات، ودبلوماسيتها إلى تأثير، وقدراتها الوطنية إلى أوراق تفاوض، أصبحت أكثر قدرة على حماية مصالحها في عالم متغير، وأكثر استعدادًا لصناعة موقعها في النظام الدولي الذي يتشكل.


فحين تمتلك الدولة القدرة على الحركة، والمرونة في التفاوض، والوضوح في تحديد مصالحها، والقدرة على قراءة التحولات واستشراف اتجاهاتها، لا تعود السياسة مجرد إدارة للواقع؛ بل تتحول إلى إحدى أدوات صناعة القوة وصياغة الرؤية المستقبلية للدولة.


وهنا تحديدًا يصبح التاريخ أكثر من ذاكرة للماضي؛ يصبح أداة لفهم الحاضر، واستشراف المستقبل، وتحديد الاتجاهات، وبناء الرؤية، وصناعة القرار.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية