الإعلام المصري.. معركة استعادة الوعي
كتب / النائب أيمن عدلى
لم يعد الإعلام المصري أمام تحديات تقليدية يمكن التعامل معها بأدوات الماضي، بل أصبح في مواجهة تحول هائل في صناعة الخبر وتشكيل الرأي العام. فالسوشيال ميديا فرضت نفسها لاعبًا رئيسيًا، وصعد المؤثرون، وتراجعت معدلات القراءة، وتعرضت الصحافة الورقية لأزمات متلاحقة، بينما جاء الذكاء الاصطناعي ليضيف تحديًا أكثر خطورة، بعدما أصبح قادرًا على صناعة صور وفيديوهات وأصوات مزيفة تبدو وكأنها حقيقة.
المشكلة لم تعد في الحصول على المعلومة، وإنما في من يملك المعلومة، ومن يصنع الرواية، ومن ينجح في الوصول إلى المواطن أولًا.
ورغم ما تشهده مصر من إنجازات ومشروعات في مختلف القطاعات، فإن هناك فجوة واضحة بين حجم ما يتحقق على الأرض وبين وصول الصورة الكاملة إلى المواطن. وهنا تكمن إحدى أهم مسؤوليات الإعلام: ليس المطلوب أن يتحول إلى منصة للدعاية، وإنما أن يشرح للمواطن ماذا يحدث، ولماذا يحدث، وما تأثيره على حياته، وما الذي تحقق وما الذي لم يتحقق بعد.
في المقابل، تستغل منصات معادية بعض الأزمات والمشكلات الحقيقية لتضخيمها وإعادة تدويرها وصناعة حالة مستمرة من الإحباط وفقدان الثقة. ومواجهة ذلك لا تكون بإنكار المشكلات أو تجاهلها، وإنما بإعلام مهني سريع، يمتلك المعلومات، ويكشف التضليل، ويقدم الحقيقة بلغة يفهمها المواطن.
لقد انتهى زمن التعامل مع السوشيال ميديا باعتبارها مساحة للترفيه. هي اليوم ساحة رئيسية لتشكيل الوعي. والمؤثرون أصبحوا جزءًا من المشهد الإعلامي، سواء اعترفنا بذلك أم لا. ولذلك يجب ألا تكون المواجهة بمحاولة إقصائهم، وإنما بوضع إطار مهني واضح، وتدريب الجادين منهم، ودمج أفضل التجارب في منظومة إعلامية أكثر تطورًا ومسؤولية.
أما الصحافة الورقية، فمشكلتها ليست في الورق وحده، وإنما في نموذجها التقليدي. إنقاذ الصحافة لا يعني إنقاذ النسخة المطبوعة فقط، وإنما إنقاذ الصحافة نفسها. فالخبر الذي يصل إلى الهاتف قبل صدور الجريدة لا يمكن أن يكون نقطة تفوقها، لكن التحقيق والاستقصاء والتحليل والوثيقة والرأي المهني والمعلومات المتخصصة يمكن أن تجعل المؤسسة الصحفية أكثر تأثيرًا من أي منصة عشوائية.
ويبقى الذكاء الاصطناعي هو التحدي الأخطر. نحن أمام قدرة غير مسبوقة على إنتاج محتوى مزيف، وتقليد الأصوات، وتركيب الفيديوهات، وتحريف الصور، وصناعة شخصيات ومواقف لم تحدث أصلًا. ولذلك لم يعد مقبولًا أن نتعامل مع أي صورة أو فيديو باعتباره دليلًا على الحقيقة.
نحتاج بصورة عاجلة إلى وحدات متخصصة للتحقق الرقمي والذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الإعلامية الكبرى، تضم صحفيين وخبراء تكنولوجيا وبيانات، مهمتهم فحص المحتوى وتتبع مصادره وكشف التلاعب به قبل أن تتحول الشائعة إلى حقيقة في وعي الجمهور.
كما نحتاج إلى إعادة بناء غرف الأخبار لتصبح متعددة المنصات، والاستثمار في الصحفي الشاب وتدريبه على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والتحقق الرقمي، ودعم الصحافة في تحولها الإلكتروني، وتطوير نماذج اقتصادية جديدة للصحافة الرقمية.
والأهم من ذلك هو سرعة إتاحة المعلومات. فالفراغ المعلوماتي هو البيئة المثالية لنمو الشائعة. وكلما تأخرت المعلومة الصحيحة، تقدمت الرواية البديلة.
نحتاج أيضًا إلى استراتيجية وطنية للإعلام الرقمي، وإلى مركز متخصص في التحقق من الأخبار والمحتوى المزيف، وإلى تدريب المتحدثين الرسميين على التواصل السريع مع الجمهور، وإلى إتاحة البيانات والمعلومات بصورة أكثر سهولة أمام الصحفي والمواطن.
لكن فوق كل هذه الإجراءات تظل القضية الأهم هي استعادة الثقة.
الإعلام لا يستعيد مكانته بالصوت المرتفع، ولا بالمديح المستمر، ولا بمهاجمة كل نقد. الإعلام يستعيد مكانته عندما يكون مهنيًا، صادقًا، سريعًا، شجاعًا، وقريبًا من الناس.
مصر تمتلك تاريخًا إعلاميًا عظيمًا، ومدارس صحفية وإذاعية وتليفزيونية أثرت العالم العربي لعقود. ولا ينقصها اليوم الموهبة أو الخبرة، وإنما تحتاج إلى إعادة بناء المنظومة بأدوات العصر الجديد.
المعركة الحقيقية ليست بين الإعلام التقليدي والسوشيال ميديا، وإنما بين الحقيقة والتضليل، وبين الوعي والفوضى، وبين إعلام يبني وإعلام يهدم.
وفي معركة الوعي، لا يكفي أن نمتلك الحقيقة؛ يجب أن نمتلك إعلامًا قادرًا على إيصالها في الوقت المناسب، وباللغة التي يفهمها المواطن، وبالمهنية التي تجعله يصدقها.
الإعلام القوي ليس رفاهية.. بل أحد أسلحة الدولة في حماية وعيها وصناعة مستقبلها.

تعليقات
إرسال تعليق