سيرة النبي والاحتفال بمولده الكريم.. ميلاد الرحمة ونور الهداية
كتب /محمود حسنين حسن
تظل سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم حاضرة في وجدان المسلمين، لا باعتبارها صفحات من التاريخ فحسب، وإنما باعتبارها منهجا متكاملا للحياة، ومصدرا للقيم التي يحتاج إليها الإنسان في كل زمان ومكان. فقد جاء النبي الكريم برسالة عظيمة، كان جوهرها الرحمة والهداية وإعلاء قيمة الإنسان، وإرساء مبادئ العدل والتسامح وحسن الخلق.
قال الله تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، فكانت الرحمة عنوانا لرسالته، وامتدت إلى الإنسان والضعيف والفقير واليتيم، بل وإلى كل ما حوله. وكان صلى الله عليه وسلم القدوة التي تجسدت فيها أخلاق القرآن، فجمع بين قوة الحق ورقة القلب، وبين الحزم حين تقتضي المسؤولية والعفو حين يكون العفو أكرم وأصلح.
مولد أضاء العالم
يحتفل المسلمون بذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم باعتبارها مناسبة لاستحضار سيرته العطرة وتجديد الصلة بأخلاقه وهديه. فالمعنى الأعمق لهذه الذكرى لا ينبغي أن يتوقف عند مظاهر الاحتفال، وإنما يمتد إلى التأمل في الرسالة التي حملها صاحب الذكرى، وكيف يمكن أن تتحول محبته إلى سلوك وأخلاق ومعاملة.
لقد كان مولده الشريف إيذانا بميلاد مرحلة جديدة في تاريخ الإنسانية؛ مرحلة انتقلت فيها قيم التوحيد والعدل والرحمة من نطاق الدعوة إلى واقع حياة، وأصبح الإنسان أمام رسالة تؤكد أن الكرامة لا ترتبط بمال أو نسب أو قوة، وإنما بما يحمله الإنسان من تقوى وخلق وعمل صالح.
المحبة الحقيقية اتباع واقتداء
ومن أجمل ما يمكن أن نقدمه في ذكرى المولد النبوي أن نسأل أنفسنا: ماذا تعلمنا من محمد صلى الله عليه وسلم؟
تعلمنا أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن الرحمة ليست ضعفا، وأن العفو عند المقدرة من شيم الكرام، وأن احترام الإنسان لا يتوقف على اختلافه معنا. وتعلمنا أن المسؤولية أمانة، وأن من يملك القدرة على مساعدة الآخرين لا ينبغي أن يتأخر عن ذلك.
فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم ليست مجرد كلمات تقال، ولا مشاعر موسمية تظهر في مناسبة ثم تنتهي بانتهائها، وإنما هي التزام أخلاقي وسلوكي يظهر في تعاملنا مع أهلنا وأقاربنا وجيراننا وزملائنا، وفي أمانتنا في العمل، ورحمتنا بالضعيف، وإنصافنا للمظلوم، وحفظنا لحقوق الآخرين.
ذكرى تدعونا إلى مراجعة أنفسنا
وفي عالم تتسارع فيه الأحداث، وتزداد فيه الضغوط والخلافات، تبدو الحاجة إلى استحضار أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
نحن بحاجة إلى الصدق في زمن كثرت فيه الشائعات، وإلى الرحمة في زمن قست فيه بعض القلوب، وإلى التسامح في زمن اتسعت فيه مساحات الخلاف، وإلى الأمانة في زمن أصبحت فيه المصالح الشخصية أحيانا مقدمة على المصلحة العامة.
ومن هنا تصبح ذكرى المولد النبوي فرصة لمراجعة النفس قبل أن تكون مناسبة للاحتفال؛ فرصة لأن يسأل كل منا نفسه: هل في أخلاقي شيء من أخلاق النبي؟ هل أكون سببا في راحة إنسان أم سببا في ألمه؟ هل أحفظ حقوق الآخرين كما أحب أن يحفظوا حقوقي؟ وهل أختلف مع الناس دون أن أفقد احترامي لهم؟
إلى الأجيال الجديدة
وتبقى مسؤولية الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية والمجتمعية كبيرة في تعريف الأجيال الجديدة بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ليس من خلال سرد الأحداث فقط، وإنما من خلال إبراز المعاني الإنسانية والحضارية التي حملتها سيرته.
فالطفل الذي يتعلم الرحمة، والشاب الذي يتعلم الأمانة، والمسؤول الذي يتعلم العدل، وصاحب المال الذي يتعلم العطاء، والمختلف مع غيره الذي يتعلم أدب الحوار؛ جميعهم يقدمون صورة حقيقية من صور الاقتداء بالنبي الكريم.
إن أعظم احتفال بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحول القيم التي دعا إليها إلى واقع نعيشه، وأن تصبح سيرته حاضرة في أخلاقنا قبل كلماتنا، وفي أفعالنا قبل احتفالاتنا.
وفي ذكرى مولده الشريف، تظل الصلاة والسلام عليه من أجمل ما تهدأ به القلوب:
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، صلاة تملأ قلوبنا محبة له، وأرواحنا اقتداء به، وأعمالنا نورا بهديه، واجعلنا من أهل رحمته وشفاعته، ووفقنا لأن نحمل من أخلاقه ما يجعلنا رحمة وخيرا لمن حولنا.
وكل عام والأمة الإسلامية بخير، نسأل الله أن يعيد علينا ذكرى مولد نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بالخير والسلام والرحمة، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

تعليقات
إرسال تعليق