فخ الـ FOMO: كيف تشكّل "ثقافة التريند" سلوكنا الاستهلاكي؟

 كتبت /د. الشيماء المشد تكتب 

لم يعد "التريند" مجرد مقطع فيديو واسع الانتشار أو جملة متداولة على منصات التواصل الاجتماعي؛ بل تحول إلى قوة اقتصادية واجتماعية تحرك الأسواق وتصيغ قرارات الشراء اليومية. في قلب هذا التحول، يقف التسويق الحديث متسلحاً بأدوات نفسية متطورة تجعل الاستهلاك السريع جزءاً من الثقافة السائدة.

تعتمد الاستراتيجيات التسويقية الحديثة على تحفيز شعور نفسي عميق لدى المستهلك يُعرف بـ "الخوف من التفويت" (Fear Of Missing Out). من خلال تقنيات العرض المحدود، أو الإطلاق الحصري للسلع، أو الحملات المكثفة عبر المؤثرين، يُخلق شعور اصطناعي بندرة المنتج وضرورة اقتنائه فوراً. لم يعد الإعلان يستهدف إبراز الجودة أو المنفعة الاستعمالية، بل يستهدف خلق حالة من الاستعجال النفسي تجعل التأني في القرار الاستثماري بمثابة تفويت لفرصة لا تعوض.

ومع التداخل الكثيف بين الحياة الرقمية والواقعية، انتقل مفهوم الاستهلاك من تلبية الحاجات الأساسية والرفاهية إلى أداة لإثبات الوجود والانتساب إلى مجموعات بعينها. 

يتحول المنتج ضمن ثقافة التريند إلى "رمز تعبيري" يضمن للجمهور التواجد ضمن الدائرة المعرفية والمجتمعية الحالية. هذا التحول وضع أفراد المجتمع تحت ضغوط مالية ونفسية متواصلة لملاحقة كل جديد، خوفاً من الشعور بالعزلة أو العجز عن مواكبة الإيقاع المتسارع.

إن استمرار نموذج "الاستهلاك السريع" يضع أعباءً بالغة على الاستقرار المالي للأفراد، ويفرغ العملية الاستهلاكية من قيمتها الحقيقية. يتطلب المشهد اليوم إعادة تعريف العلاقة بين الجمهور والعلامات التجارية، بحيث يتشكل وعي جمعي يستطيع التمييز بين القيمة الفعلية للمنتج وبين الضجيج التسويقي المؤقت.

إن مواجهة طوفان الحملات الرقمية لا تعني المقاطعة، بل تبني سلوك استهلاكي واعي يضع الاحتياج الحقيقي أولاً، ويحرر القرار الفردي من سطوة الإلحاح الرقمي.

د. الشيماء المشد، استاذ مشارك إدارة الأعمال- كليات الشرق العربي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية