حين سبقت جدران مصر القديمة عدسة السينما بآلاف السنين

 

كتبت /منى منصور السيد

تحت رعاية الأستاذ الدكتور علاء عبدالهادي " رئيس  النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر ، الأمين العام للاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب " تقيم لجنة الحضارة المصرية القديمة بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر برئاسة الكاتب والباحث / عبدالله مهدى ، ندوة بعنوان :

( السينما والحضارة المصرية القديمة )  وذلك يوم السبت الموافق ٥ من سبتمبر ٢٠٢٦ م ، الساعة الرابعة عصرا ، بمقر النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر  ١١ أ شارع حسن صبري بالزمالك ، يتحدث فيها كل من :--

-- الدكتور / مجدي شاكر. ( الباحث في علم المصريات )


--- الأستاذ / إبراهيم محمد علي.

" كاتب وسينارست " ..


-- المهندس / حمدي عز

" نقيب السياحيين "..

بالإضافة بعض الباحثين الذين أعلنوا رغبتهم في المشاركة إبان الإعلان عن الندوة ...

ويدير الندوة ويقدمها الكاتب والباحث / عبدالله مهدى. " رئيس لجنة الحضارة المصرية القديمة بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر "


و أوضح  الكاتب والباحث / عبدالله مهدى بأن هذه الندوة ، تأتى تأكيدا على أن  الحضارة  المصرية القديمة ، علمت العالم الكثير من الفنون والعلوم والآداب ، وفتحت الباب على مصراعية للبناء على  أبدعته وابتكرته ، ومنها لغة السينما فقد أدرك الفنان المصري القديم  " لغة السينما " ، من خلال تطبيقه المبدع ، لفنون التصوير ، في العديد من المناظر ، على آثار مصر القديمة ، واحساس المصري القديم بالزمن ، وتكوين الكادر السينمائى ، وإدراكه الكامل لمنهج  بصري يعطي القدرة على التتابع ، ورصد تطور الحدث  ،  حتى تكتمل الرؤية أو الرسالة الفنية  التى أراد الفنان المصري القديم ، إرسالها ، عبر تصويره لهذه اللقطات السينمائية الرائعة ، وذلك قبل معرفة واختراع فن السينما بآلاف السنين  ...


فقد تبدو السينما، للوهلة الأولى، ابنة العصر الحديث، ونتاجًا للتطور التقني الذي منح الصورة القدرة على الحركة، غير أن التأمل في المنجز البصري للحضارة المصرية القديمة يفتح أمامنا بابًا واسعًا للتساؤل حول علاقة الإنسان المصري القديم بالصورة والزمن والحركة والسرد. فقبل أن تعرف البشرية الشاشة والكاميرا وشريط الفيلم، كان الفنان المصري القديم يرسم على الجدران مشاهد متتابعة، ويمنح كل شخصية دورًا، ويضع التفاصيل في مواضعها بحيث تستطيع العين أن تنتقل من عنصر إلى آخر، وأن تستخلص من المشهد حكاية كاملة.


وكشف الكاتب والباحث / عبدالله مهدى أن الآثار المصرية بانوراما بصرية لافتة ، حيث تصف المشاهد المصورة عليها ، العديد من اللقطات الفنية المبدعة ، والتى تعبر عن لحظات ومشاهد مهمة من حياة المصريين القدماء  ، وفقا لتسلسل وبناء درامي متماسك  ولافت على نحو :--


لوحة ( حصر الماشية ) :--


على جدار قبر رجل اسمه ( ميكتر ) كان رئيس بلدية طيبة في عام ٢٠٠٠ قبل الميلاد ، وتكشف تلك اللوحة عن عملية حصر الماشية ، بأن يتم تمريرها أمام رئيس البلدية وكبار موظفيه وكتبته ، وبعد الحصر ، تحفظ البيانات ، لتستخدم كسجلات للضرائب ... حيث يظهر راعي يسوق الماشية ، وكاتب معه لوحه .....

مشهد سينمائى متكامل ، كل شخص فيه ، يؤدي دوره بانضباط ، وبخلص المشهد إلى هدفه وهو حصر الماشية ..


وبين الكاتب والباحث / عبدالله مهدى ما تحويه لوحة


( الراقصات والفرقة الموسيقية ) :--


وهي لوحة جدارية بإحدى المقابر ، تصور مجموعة من الراقصات ، وفرقة موسيقية من السيدات يعزفن وينشدن بأنشودة تمدح الطبيعة ، وراقصات يتمايلن على إيقاع الموسيقى ...

مشهد سينمائى في منتهى الروعة حيث الحركة وزاوية التصوير وتعبيرات الوجه والتناغم بين كل مفردات المشهد ...


وهنا تظهر قدرة الفنان المصري القديم على التقاط اللحظة الإنسانية في أكثر صورها حيوية. فالموسيقى والرقص والحركة لم تكن مجرد تفاصيل هامشية، بل أصبحت جزءًا من تكوين بصري متكامل، تتفاعل فيه الشخصيات مع بعضها البعض، وتتجاور فيه التعبيرات والإيماءات والإيقاع، لتصنع صورة تحمل في داخلها إحساسًا بالحياة.


ولا يتوقف الأمر عند تسجيل الحياة اليومية أو الاحتفالات والممارسات الاجتماعية، وإنما يمتد إلى مساحة أكثر جرأة، هي مساحة السخرية والفكاهة، التي تكشف جانبًا مختلفًا من الشخصية المصرية القديمة، وتؤكد أن الفن كان قادرًا على أن يحمل الجد والهزل معًا.


لوحة حيوانات ساخرة :--


وكشف لنا الكاتب والباحث / عبدالله مهدى عن روح الدعابة التى اتسم بها المصريون القدماء ، وقد تجلت في لوحة ( حيوانات ساخرة ) حيث تصور هذه اللوحة عدوين لدودين ، هما ضبع وأسد ، يستمتعان بجلسة ودية ، يلعبان فيها لعبة السنت ، كما تصور ثعلبا يعزف على الناي ويحرس قطيعا من الغنم  ، بينما في مقدمة صورت قطة وهي ترعى بمنتهى المحبة مجموعة من الإوز  ، أما الأسد المصور من طرف البردية  ، فيبدو عليه الاستمتاع بالحركات المضحكة ، التى يقوم بها ثور يجلس على أريكة  ، تداخل مبدع بين حيوانات / الممثلين ، بالمشهد ، ومفارقات تدعو للسخرية والضحك من توافق المتناقضين ، وكأن هذه اللوحة فيلما سينمائيا مضحكا ساخرا ...


إن هذا النوع من التصوير يكشف عن قدرة فنية على بناء المفارقة، وتحويل التناقض إلى وسيلة للتعبير، بحيث تصبح الحيوانات شخصيات تؤدي أدوارًا غير مألوفة، ويتحول المشهد إلى حكاية ساخرة تحمل في ظاهرها روح الدعابة، وفي باطنها قدرة الإنسان على النظر إلى العالم بعين ناقدة وخفيفة في آن واحد.


المصارعة ببني حسن :--


وأكد الكاتب والباحث / عبدالله مهدى أن المصري القديم برع في تقسيم المشاهد إلى لقطات ، ووضع خطوط فاصلة بينها ، فمناظر المصارعة في بني حسن ( المنيا ) أذهلت الجميع ، بتنوع وتتابع المشاهد في لقطات كثيرة  ، والمدهش أن المصري القديم عرف المنتاج  ,وظهر ذلك بوضوح شديد في مناظر تصنيع السبائك الذهبية  ، حيث تجلت عبقرية المصري القديم بهذا التسلسل والتتابع التصويري من خلال ما رصد على جدران ( مريروكا ) بسقارة ، من مناظر متتالية تحكي


خطوات الصناعات المعدنية :--


بدءا من وزن المادة ثم صهرها ، ثم صبها في قوالب ، وتشكيلها في سلاسل  ، ثم عمل قلائد للصدر وغيرها ...


إن المتأمل في المنجز الإبداعي للحضارة المصرية القديمة ينبهر بما وصل إليه المصري القديم من إبداع في كافة جوانب الفنون والعلوم والآداب


وعندما نتأمل هذه المشاهد مجتمعة، نجد أننا أمام تراث بصري بالغ الثراء، لا يقدم لنا مجرد صور منفصلة، وإنما يفتح أمامنا مجالًا للتأمل في الطريقة التي كان بها المصري القديم ينظم المشهد ويختار عناصره ويربط بينها. فالمشهد المصور على الجدار يحمل شخصيات وحركة وأفعالًا وتفاصيل، وقد تتجاور عدة لحظات داخل مساحة واحدة، فتمنح المتلقي القدرة على قراءة الحدث واستكماله ذهنيًا.


ومن هنا تأتي أهمية الندوة التي تتناول العلاقة بين السينما والحضارة المصرية القديمة، ليس من باب البحث عن أسبقية شكل فني حديث بمعناه التقني، وإنما من باب اكتشاف الجذور البصرية والإنسانية التي جعلت الصورة وسيلة أساسية لحفظ الذاكرة والتعبير عن الأفكار والمشاعر وتسجيل تفاصيل الحياة.


فالسينما في جوهرها ليست مجرد آلة تصوير، وإنما هي لغة تقوم على الصورة والحركة والزمن والتكوين والتتابع. وهذه العناصر جميعها نجد لها صدى في كثير من المناظر التي تركها المصري القديم على جدران مقابره ومعابده وآثاره. ولذلك فإن إعادة قراءة هذه المناظر بعين معاصرة قد تفتح آفاقًا جديدة لفهم العبقرية الفنية للحضارة المصرية القديمة، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة للنظر إلى آثارها بعيدًا عن كونها مجرد شواهد حجرية على ماضٍ بعيد.


إن الجدار المصري القديم لم يكن صامتًا كما يبدو، فقد كان يحمل أصوات الحياة وحركتها وطقوسها وأعمالها واحتفالاتها ومفارقاتها. وكانت يد الفنان تمنح الحجر قدرة غريبة على الاحتفاظ باللحظة، حتى أصبح ما رسمه المصري القديم قبل آلاف السنين حاضرًا أمام العين، قادرًا على إثارة الدهشة والأسئلة.


وربما تكمن عظمة الحضارة المصرية القديمة في أنها لم تكتفِ بأن تبني، وإنما تركت وراءها ما يجعل الإنسان المعاصر يعيد التفكير في معنى الإبداع نفسه. فكل مشهد، وكل شخصية، وكل حركة، وكل تفصيل، يمكن أن يكون جزءًا من قصة أكبر، قصة حضارة آمنت بأن الفن ليس ترفًا، وإنما وسيلة لحفظ الإنسان والذاكرة والمعرفة.


وهكذا تظل مصر القديمة واقفة على ضفاف الزمن، لا باعتبارها حضارة انتهت، وإنما باعتبارها حضارة ما زالت تطرح الأسئلة وتستفز الخيال. وبين جدرانها التي حفظت مشاهد الحياة، وشاشات السينما التي جعلت الصورة تتحرك، يمتد خيط طويل من الإبداع الإنساني؛ خيط يؤكد أن الإنسان، منذ أقدم العصور، كان يبحث عن طريقة يجعل بها اللحظة باقية، والحكاية قابلة للعبور من زمن إلى زمن.


فإذا كانت السينما قد منحت الصورة حياةً متحركة، فإن الفنان المصري القديم منح الصورة ذاكرة لا تموت؛ ترك لنا مشاهد صامتة في الحجر، لكنها لا تزال تتحرك في أعيننا، وتروي لنا، بعد آلاف السنين، أن الإبداع الحقيقي لا يشيخ، وأن الحضارات العظيمة لا تغيب حين تتوقف عن الكلام، بل تبقى حاضرة كلما وجد من يقرأ آثارها بعين جديدة وقلب يعرف قيمة الحكاية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية