معراج العقول إلى عروش الذكاء صياغة جديدة لهوية الأكاديمية في فجر الاستدامة
كتبت /منى منصور السيد
مدير تحرير مجلة المنصور للفنون والقافة والسلام
حين تخلع الجامعات أثواب التلقين البالية لترتدي رداء "الجامعة الذكية"، فإنها لا تغير هندستها فحسب، بل تعيد كتابة عقدها التاريخي مع المستقبل، محولةً رحاب المعرفة إلى محرك تنموي نابض بالحياة يربط الابتكار بشرايين الاقتصاد والمسؤولية البيئية. من رحم هذا المخاض الحضاري، وفي غمرة تطلعات الإنسانية نحو غدٍ أكثر إشراقاً واستدامة، انطلقت فعاليات الملتقى العلمي الدولي السابع تحت شعار «من البحث العلمي إلى التكنولوجيا المستدامة»، منسوجة خيوطه الكبرى برعاية مؤسسة البرهان للتنمية والتطوير والسلام والتنمية المستدامة، وبتنسيق متناغم يضم مجلة المنصور للفنون والثقافة والأدب، وجامعة رينيتا الأوروبية للعلوم الذكية، وأكاديمية دمشق للتدريب والتطوير المستمر، ومنظمة الماسة للإغاثة والتنمية، والكلية البريطانية للتدريب المهني. لقد جاء هذا الملتقى ليطرح إشكالية جوهرية تقض مضاجع الركود الأكاديمي، متسائلاً عن الكيفية التي يمكن بها لجامعات الغد أن تتحول إلى مؤسسات ذكية قادرة على قيادة الابتكار وتوطين التكنولوجيا المستدامة لدعم الاقتصاد المعرفي والصناعي، مسعيّاً لتحقيق أهداف استراتيجية كبرى تتأصل فيها مفاهيم الجامعات الذكية، ودعم بيئات الابتكار وبراءات الاختراع، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في تعليم دامج يراعي ذوي الهمم، ويعزز أواصر الشراكة الحميمة بين الجامعة والصناعة.
وفي ليلة تجلت فيها الأنوار المعرفية، انطلقت في تمام الساعة التاسعة من مساء الخميس العاشر من سبتمبر لعام ألفين وستة وعشرين بتوقيت مكة المكرمة، فعاليات اليوم الأول للملتقى، تحت إدارة محكمة ورصينة قادتها الدكتورة تغاريد محمد الفواز، رئيس أكاديمية دمشق للتدريب والوعي المجتمعي، لتفتتح ببراعة درامية فكرية نافذة أبواب الحوار البناء والنقاش الخلاق. لقد كانت هذه الأمسية المباركة منتدى فكرياً عابراً للحدود، تبارى فيه نخبة من العقول المضيئة لصياغة معالم الطريق نحو التمكين التكنولوجي المستدام، حيث استهل الأستاذ الدكتور علي العباس البكري السجال المعرفي بمحاضرة واعدة حملت عنوان "براءات الاختراع التكنولوجية ودورها في ملف الطاقة وتطبيقات الابتكار المستدام"، غاص فيها بعمق في فضاءات الملكية الفكرية وبراءات الاختراع، راسخاً أسس بناء بيئة وطنية حاضنة ومحفزة للابتكار التكنولوجي، ومستعرضاً استراتيجيات دقيقة لاستثمار وتمويل المشاريع الابتكارية، فضلاً عن إبراز دور الحاضنات التكنولوجية والحدائق العلمية كمنصات محورية للتحول الطاقوي المنشود، وتبيان المساهمة الفاعلة للابتكار التقني المستدام في تحقيق غاية الحياد الكربوني.
ولم يكن النبض العلمي ليقف عند حدود الطاقة وتطبيقاتها، بل امتد ليتصل بجوهر العملية الأكاديمية وأثرها المباشر في هيكل المجتمع، حيث أطل الأستاذ الدكتور سمير سعدون الجبوري بمحاضرة عميقة الإحداثيات حملت عنوان "أثر الأبحاث في الجامعات في دعم التكنولوجيا المستدامة"، متطرقاً ببراعة تحليلية إلى سياسات التعليم العالي الرامية لدعم التكنولوجيا النظيفة، ومركزاً على ركيزة التنمية البشرية وبناء القدرات البحثية الموجهة نحو الاستدامة البيئية، فضلاً عن تقديمه دراسة مقارنة دقيقة لآليات دمج الأنظمة الذكية المستدامة، مستعرضاً نماذج دولية رائدة في تسريع وتيرة الابتكار الأخضر، ومؤكداً على تلك العلاقة العضوية الملحمية بين مخرجات البحث العلمي وجودة تطبيقات التكنولوجيا المستدامة التي تحفظ التوازن الاستراتيجي بين النمو الاقتصادي وحماية الموارد للأجيال القادمة.
واستكمالاً لهذه المنظومة الفكرية المتكاملة، جاءت محاضرة الدكتور محمود فاروق ابراهيم لتطرق أبواب المستقبل الرقمي تحت عنوان "استخدام التكنولوجيا كأداة للتعاون والإبداع والتعلم في ضوء النظم والتحول الرقمي"، حيث فكك بوعي نقدّي رفيع التشريعات الوطنية والدولية المنظمة لنقل وتوطين التكنولوجيا في الدول النامية، مسلطاً الضوء على منظومة الأمن السيبراني المتقدم وحوكمة البيانات الأكاديمية والسيادية في البيئات الذكية، ومستعرضاً استراتيجيات جادة لتذليل التحديات التشريعية والاقتصادية التي تعترض طريق التحول الرقمي الشامل، متناولاً تجارب الدول الرائدة ومؤسسات الإمتياز في توطين التكنولوجيا، ومختتماً رؤيته بإرساء أطر راسخة للتعاون الأكاديمي بين الجامعات العالمية لتفعيل نظم التعلم الإبداعي المشترك. إن هذا التدفق الفكري الخلاق في اليوم الأول لم يكن مجرد سرد لمحاضرات، بل كان إيذانًا بفجر فكري جديد، وإغلاقة واعدة تؤكد أن المستقبل لا يُنتظر بل يُصنع، ليترك هذا اليوم أثراً لا يُمحى في ذاكرة الأكاديمية، فاتحاً الأبواب مشرعة نحو غدٍ أشد إشراقاً وأكثر استدامة.








تعليقات
إرسال تعليق