السرد الرقمي في الإعلام حين تعيد التقنية تشكيل فن الحكاية

 كتبت /د. رضا عادل فاضل 

في قلب المشهد الإعلامي المعاصر، تتشكل ملامح جديدة لفن يبدو قديمًا قِدَم الإنسان نفسه، هو فن الحكي، غير أن هذا الفن القديم يرتدي اليوم حُلّة رقمية تُعيد صياغة قواعده وأدواته وجمهوره في آنٍ واحد. فالسرد الرقمي لم يعد مجرد نقلٍ لمحتوى تقليدي إلى منصة إلكترونية، بل هو منظومة تعبيرية متكاملة تتقاطع فيها اللغة مع الصورة، والصوت مع البيانات، والزمن الخطي مع التفاعلية اللامحدودة، لتُنتج تجربة معرفية وجدانية تتجاوز حدود القراءة إلى فضاء المشاركة والانخراط.

لقد انتقل الإعلام، بفعل هذا التحول، من موقع الراوي الأحادي الذي يملك سلطة الحقيقة وترتيب الأحداث، إلى موقع الوسيط الذي يفتح نافذة على تعددية الأصوات والمصادر والزوايا. فالقارئ اليوم لم يعد متلقيًا سلبيًا ينتظر ما يُقدَّم إليه، بل غدا فاعلًا يختار مسار قراءته، ويتنقل بين طبقات النص المتشعبة، ويُسهم أحيانًا في صياغة الحكاية ذاتها من خلال التعليق والمشاركة وإعادة النشر. وهذا التحول في موقع المتلقي يفرض على الصحفي والإعلامي إعادة نظر جذرية في أدواته المهنية، إذ لم تعد الكفاءة اللغوية والصياغية وحدها كافية، بل باتت الكفاءة البصرية والتقنية والتفاعلية شرطًا مواكبًا لا غنى عنه.

وتتجلى قوة السرد الرقمي في قدرته على توظيف الوسائط المتعددة توظيفًا عضويًّا لا زخرفيًّا، بحيث يصبح الفيديو القصير، والرسم البياني التفاعلي، والخريطة الرقمية، والصوت المسجّل، عناصر بنيوية في جسد النص لا إضافات هامشية عليه. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين الصحافة التقليدية التي تعتمد التتابع الخطي للمعلومة، والصحافة الرقمية التي تعتمد البنية الشبكية المتفرعة، حيث يمكن للقارئ أن يدخل إلى الحكاية من زوايا متعددة، وأن يُعيد ترتيب أولوياته المعرفية وفق اهتماماته الخاصة.

غير أن هذا الانفتاح الشكلي والتقني لا يخلو من إشكاليات عميقة تستحق وقفة نقدية جادة. فتعدد المسارات وتشظي الانتباه قد يُفضيان إلى تفكك البنية السردية وضياع الخيط الجامع الذي يمنح النص تماسكه ومعناه الكلي. كما أن سرعة الإنتاج الرقمي وضغط المنافسة على جذب الانتباه في الثواني الأولى، قد يدفعان أحيانًا نحو تسطيح المضمون لصالح الشكل البصري اللافت، وهو ما يفرض على المؤسسات الإعلامية الجادة موازنة دقيقة بين جاذبية العرض وعمق التحليل، بين إغراء التفاعلية وضرورة الاتساق المعرفي.

ولا يمكن الحديث عن السرد الرقمي دون الإشارة إلى دور الخوارزميات في توجيه مسارات القراءة وتشكيل أولويات النشر، إذ باتت هذه الخوارزميات طرفًا خفيًّا في العملية السردية، تُقرر ما يُرى وما يُخفى، وما يتصدّر وما يتراجع، وفق منطق يقوم على التفاعل والانتشار أكثر مما يقوم على القيمة الخبرية أو الأهمية المجتمعية. وهذا الواقع يضع على عاتق الإعلامي مسؤولية أخلاقية مضاعفة، تتمثل في الوعي بآليات هذه المنظومة والسعي إلى توظيفها لخدمة الرسالة الإعلامية لا الانصياع الكامل لمنطقها الترويجي.

وفي السياق العربي تحديدًا، يحمل السرد الرقمي إمكانات واعدة لإعادة تشكيل صورة الذات العربية في الفضاء الإعلامي العالمي، من خلال إنتاج محتوى يوظّف الأدوات التفاعلية للتعبير عن القضايا العربية بلغة العصر وأدواته، بعيدًا عن الخطاب التقليدي الذي طالما حدّ من قدرة هذا الخطاب على مخاطبة الأجيال الرقمية الجديدة. غير أن تحقيق هذه الإمكانات يظل مشروطًا ببناء كفاءات إعلامية عربية قادرة على الجمع بين رصانة المضمون وحرفية الأداة، وبين الأصالة اللغوية والانفتاح التقني.

إن السرد الرقمي، في جوهره، ليس ثورة على فن الحكاية بقدر ما هو امتداد له في بيئة جديدة تفرض شروطها الخاصة، وتستدعي من الإعلامي المعاصر أن يكون في آنٍ واحد كاتبًا ومصممًا، ومحللًا وتقنيًّا، وحارسًا للمعنى في زمن تتزاحم فيه الوسائط وتتسارع فيه اللحظة الرقمية إلى حدّ يُهدد أحيانًا بابتلاع العمق لصالح السرعة. وتبقى المسؤولية الكبرى ملقاة على عاتق من يمتلكون الوعي النقدي والحس المهني، في أن يجعلوا من هذه الأدوات الجديدة وسيلة لتعميق الفهم لا لتبسيطه المخل، ولتوسيع أفق الحقيقة لا لتشتيتها بين آلاف الشاشات المتزاحمة على الانتباه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية