سعاد حسني… الساحرة صانعة البهجة

كتبت /سماح العباسي

كانت هناك فنانات جميلات ظهرن على شاشة السينما، وكانت هناك أخريات موهوبات تركن أعمالًا لا تُنسى، لكن سعاد حسني كانت شيئًا آخر.

كانت ساحرة الشاشة.

لا أقصد السحر بمعناه الغامض، وإنما ذلك السحر النادر الذي لا تستطيع أن تفسره بسهولة؛ حين يظهر وجه ما على الشاشة، فتتغير أجواء المكان، ويبتسم المشاهد دون أن يعرف لماذا، ويشعر للحظات أن الحياة أقل قسوة مما كانت عليه قبل دقائق.


كانت سعاد حسني تدخل إلى القلوب، فتدخل معها البهجة.


كان لها سحر خاص لا يشبه سحر الأخريات. في عينيها جاذبية آسرة، وفي ابتسامتها دفء، وفي حضورها قدرة غريبة على جذب المشاهد منذ اللحظة الأولى.


لم يكن جمالها وحده هو السر، وإنما ذلك المزيج النادر من العفوية والموهبة وخفة الروح والحضور الطاغي.


كانت قادرة على أن تأسر القلوب دون أن تتكلف ذلك.


وفي عينيها شيء من البراءة؛ شيء يجعل من ينظر إليها يشعر أنه أمام إنسانة حقيقية، لا أمام نجمة صنعتها الأضواء.


ولهذا استطاعت أن تتربع في قلوب أجيال كاملة.


لم تكن مجرد فنانة جميلة على الشاشة، بل كانت فنانة شاملة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ جمعت بين التمثيل والغناء والرقص، وامتلكت قدرة واسعة على التعبير، واستطاعت أن تمنح كل شخصية شيئًا من روحها، حتى تبدو الشخصية وكأنها خرجت من الحياة مباشرة وجلست أمامنا لتحكي قصتها.


في ضحكتها شيء من طفولة لم تفسدها الشهرة، وفي عينيها حكايات امرأة عرفت الفرح والحزن معًا، وفي حضورها تلك الخفة التي تجعل الشخصية السينمائية تبدو وكأنها خرجت من بين الناس وجلست بينهم لتروي حكايتها.


لم تكن تحتاج إلى أن تتكلف المرح؛ كان المرح يسكنها.


ولهذا أحبها الناس.


أحبوها لأنها لم تبدُ بعيدة عنهم، رغم أنها أصبحت واحدة من أشهر نجمات السينما العربية. كان في ملامحها شيء مألوف، شيء يجعل المشاهد يشعر أنها ليست نجمة تقف فوق منصة عالية، وإنما فتاة يعرفها منذ سنوات.


كانت تملك قدرة نادرة على أن تجعل البهجة فعلًا فنيًا.


فليس من السهل أن تجعل الناس يضحكون دون ابتذال، أو تملأ المشهد بالحيوية دون صخب، أو تقدم شخصية خفيفة الظل دون أن تفقد إنسانيتها.


أما سعاد، فكانت تستطيع أن تفعل ذلك وكأن الأمر يحدث بصورة طبيعية.


وربما لهذا بقيت صورتها في الذاكرة مختلفة.


كلما عادت أفلامها إلى الشاشة، لا نشاهد الماضي وحده؛ بل يعود إلينا شيء من أنفسنا.


تعود شوارع القاهرة القديمة، ووجوه الناس، وملابسهم، وبيوتهم، وأحلامهم، ويعود زمن كانت فيه السينما قادرة على أن تمنح الإنسان ساعتين من الحلم والبهجة، دون أن تطلب منه شيئًا في المقابل.


كانت سعاد حسني ابنة الشاشة التي لم تكن تحتاج إلى كثير من الكلمات كي تترك أثرها.


يكفي أن تظهر.


يكفي أن تبتسم.


يكفي أن تتحرك بخفة في مشهد عابر، حتى يشعر المشاهد بأن شيئًا من الحياة قد عاد إلى المكان.


لكن خلف تلك الابتسامة المضيئة كانت هناك إنسانة.


وهنا تكمن المفارقة المؤلمة.


فالشخص الذي يمنح الآخرين كل هذا الفرح قد يحمل في داخله أحزانًا لا يعرفها أحد. والشاشة لا تخبرنا دائمًا بما يحدث خلفها. قد يضحك الفنان أمام ملايين المشاهدين، ثم يعود إلى حياته ووحدته بعيدًا عن الكاميرات.


ولذلك ربما يكون من الظلم أن نتذكر سعاد حسني باعتبارها مجرد ابتسامة جميلة.


كانت فنانة تمتلك طاقة هائلة على التعبير، وقدمت شخصيات متعددة، وانتقلت بين الرومانسية والكوميديا والدراما، وتركت بصمتها في تاريخ السينما المصرية والعربية.


لكن أجمل ما بقي منها في وجدان الناس ربما لم يكن دورًا بعينه، ولا مشهدًا بعينه، وإنما ذلك الإحساس الذي كانت تتركه وراءها.


إحساس بأن الدنيا يمكن أن تكون أخف قليلًا.


وأن الضحكة، مهما بدت بسيطة، قد تكون في بعض الأحيان شكلًا من أشكال مقاومة الحزن.


حين تصبح الشهرة ثمنًا


لكن الشهرة لا تمنح أصحابها الضوء وحده؛ أحيانًا تحمل معها ثمنًا قاسيًا.


فقد لاحقت سعاد حسني، خلال حياتها وبعد رحيلها، شائعات كثيرة مست سمعتها وكرامتها. بعضها تردد على ألسنة الناس، وبعضها وجد طريقه إلى وسائل مختلفة دون أن يكون الدليل عليه واضحًا.


وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد الحديث عن فنانة مشهورة.


كيف يمكن لإنسان أن يحمي كرامته حين تتحول حياته الخاصة إلى كتاب مفتوح أمام الجميع؟


وكيف يمكن للإنسان أن يدافع عن نفسه أمام شائعة، بينما الشائعة لا تحتاج إلا إلى لحظة كي تنتشر، لكنها تحتاج إلى سنوات حتى تُمحى آثارها؟


لقد نالت تلك الشائعات من صورة سعاد حسني لدى البعض، وأحاطت حياتها الشخصية بسحابة قاتمة من الكلام والتأويلات. وارتبط بعضها، في الذاكرة الشعبية، بأجواء من النفوذ والفساد ومحاولات تشويه السمعة.


لكن ما لم تثبته الوثائق والأدلة يبقى في دائرة الشائعات غير الموثقة، ولا يجوز تقديمه على أنه حقيقة قاطعة.


ومن حق سعاد حسني، حتى بعد رحيلها، أن تُعامل بالإنصاف نفسه الذي نطالب به لكل إنسان.


لا نحتاج إلى اختراع بطولة جديدة لها، ولا إلى صناعة اتهامات جديدة لمن ظلموها.


يكفي أن نقول إن الشائعات يمكن أن تكون قاسية، وإن الشهرة لا تسلب الإنسان حقه في الخصوصية والكرامة، وإن الحقيقة لا تحتاج إلى المبالغة كي تكون قوية.


بين الضوء والظل


أما حكاية رحيلها، فقد أحاطت بها روايات وأسئلة كثيرة، واختلفت حولها الأقوال والتفسيرات.


لكن الإنسان حين يغيب لا ينبغي أن تتحول نهايته إلى ذريعة للنيل من سيرته أو التشكيك في إنسانيته دون دليل.


نحن لا نملك إلا ما تثبته الوقائع، أما ما وراءها فالعلم لله وحده.


لذلك أفضل أن أتذكر سعاد حسني من النافذة التي أحبها منها.


من نافذة الضوء.


من نافذة الفن.


من ضحكتها.


من عينيها اللتين كانتا تحملان شيئًا من البراءة والدهشة.


ومن ذلك الوجه الذي كان يستطيع، بمجرد ظهوره على الشاشة، أن يوقظ فينا شيئًا جميلًا كنا نظن أننا فقدناه.


لا أريد أن تختصرها الشائعات.


ولا أريد أن تختصرها نهايتها.


ولا أن تختصرها الحكايات التي لم تثبتها الأيام.


أريد أن أتذكرها كما عرفها الجمهور: فتاة تملأ الشاشة بالحياة، تتحرك بخفة، تبتسم، تحلم، تحب، تخطئ، وتحاول أن تجد لنفسها مكانًا في عالم لا يمنح السعادة بسهولة.


رحم الله سعاد حسني وأسكنها فسيح جناته.


رحم الله تلك الفتاة التي كبرت أمام الكاميرا، وأصبحت امرأة، ثم رحلت وبقيت صورتها شابة في ذاكرة أجيال كاملة.


بعض الفنانين تنتهي شهرتهم حين تنتهي أعمالهم، أما البعض الآخر فيتحولون إلى جزء من الذاكرة.


وسعاد حسني من هؤلاء.


لقد أطفأت الحياة أضواءها، لكن الشاشة لم تستطع أن تنساها.


وكلما عادت صورتها إلى الظهور، عاد معها شيء من زمن بعيد؛ زمن كانت فيه الضحكة أكثر عفوية، والحلم أكثر براءة، والسينما قادرة على أن تجعلنا نصدق، ولو لساعات قليلة، أن العالم مكان أكثر جمالًا مما نراه في حياتنا اليومية.


كانت سعاد حسني ساحرة فعلًا…


لا لأنها امتلكت سرًا خفيًا، ولا لأن جمالها وحده صنع أسطورتها، بل لأنها امتلكت ما هو أندر من السحر:


الموهبة التي تتحول إلى حضور، والحضور الذي يتحول إلى محبة، والمحبة التي تتحول مع الزمن إلى ذاكرة لا تموت.


ولهذا، حين نتذكر سعاد حسني، لا نتذكر نجمة أضاءت الشاشة فقط، وإنما فنانة شاملة أضاءت الشاشة بالحياة والبهجة الخالصة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية