أنا وخريف العمر
كتبت /د. تغريد يحيى الطباخي
يقولون إن لكل فصلٍ من فصول الحياة جماله، وإن خريف العمر ليس نهاية الحكاية، بل هو الفصل الذي تنضج فيه الأرواح، وتصفو فيه النفوس، وتُقرأ فيه الحياة بعين الحكمة لا بعين الاندفاع.
وأنا... حين وصلت إلى خريف العمر، أدركت أن السنوات لم تكن مجرد أرقام تُضاف إلى العمر، بل كانت دروسًا تُكتب على صفحات القلب. تعلمت أن بعض الطرق لا تستحق أن نسير فيها، وأن بعض الأشخاص لا يستحقون أن نمنحهم من أعمارنا أكثر مما منحناهم.
في خريف العمر، لم أعد ألهث خلف كل شيء، ولم أعد أبحث عن مكانٍ بين الجميع، بل أصبحت أبحث عن راحة القلب، وعن صحبةٍ صادقة، وكلمةٍ طيبة، وابتسامةٍ لا تعرف الزيف.
في هذا الفصل من الحياة، تتساقط من حولنا أوراق كثيرة؛ أوراق الوهم، وأوراق المجاملة، وأوراق العلاقات الهشة، لكن ما يبقى هو الأصل الثابت: المحبة الصادقة، والوفاء، والإيمان بأن الله لا يضيع جميلًا زرعناه في طريق أحد.
لقد علّمني خريف العمر أن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، وأن التسامح راحة قبل أن يكون فضيلة، وأن القناعة كنز لا يملكه إلا من عرف قيمة النعم الصغيرة التي يغفل عنها الكثيرون.
ولم أعد أحاسب الناس على أخطائهم كما كنت أفعل، بل أصبحت ألتمس لهم الأعذار، وأترك ما في القلوب لله، فهو وحده يعلم السرائر. فما أجمل أن نغادر هذه الدنيا بقلوبٍ بيضاء، لا تحمل حقدًا، ولا تعرف الانتقام.
خريف العمر ليس ذبولًا كما يظن البعض، بل هو موسم الحصاد. نحصد فيه ما زرعناه من خير أو شر، ومن حب أو قسوة، ومن عطاء أو أنانية. فمن زرع المعروف وجد أثره، ومن نشر الرحمة عاد إليه صداها.
وإذا كانت أوراق الأشجار تتساقط في الخريف، فإن القلب المؤمن يزداد اخضرارًا بذكر الله، ويزداد يقينًا بأن القادم أجمل ما دام الأمل بالله حاضرًا، والثقة برحمته لا تغيب.
أنا وخريف العمر... صرنا صديقين. لم أعد أخشاه، بل أستقبله بكل رضا. ففيه سكينة لا يعرفها الشباب، وحكمة لا تمنحها الكتب، ونظرة للحياة تجعل الإنسان يبتسم لما كان يومًا يبكيه.
وفي النهاية، يبقى العمر رحلة قصيرة، لا يقاس بطول السنين، بل بما تركناه من أثرٍ جميل، وبما زرعناه من محبة، وبما قدمناه من خير. فطوبى لمن جعل خريف عمره ربيعًا في قلوب الآخرين، ونورًا يهتدي به من يأتي بعده.
اللهم اجعل ما بقي من أعمارنا خيرًا مما مضى، وبارك لنا في أيامنا، واختم حياتنا برضاك، واجعل خريف أعمارنا موسمًا للطاعة والسكينة والرضا. آمين.

تعليقات
إرسال تعليق